مفارقة أوروبية… تمويل صعود المغرب الزراعي وتراجع إسبانيا

مع تصاعد المنافسة في حوض المتوسط، باتت الزراعة المغربية تفرض نفسها بقوة على المشهد الأوروبي، متجاوزة العديد من الحواجز لتصبح منافسًا رئيسيًا للمنتجات الإسبانية في السوق الأوروبية، ما يضع الفلاح الإسباني في مواجهة تحديات غير مسبوقة.
صحيفة Murcia.com الإسبانية أبرزت هذا التحول بعنوان صريح: “الحقول المغربية تلتهم الحقول الإسبانية”، في إشارة إلى ارتفاع واردات المنتجات الزراعية المغربية إلى أكثر من ملياري يورو سنويًا، بزيادة تفوق المليار منذ عام 2021.
ويعزى هذا الزخم المغربي إلى تزاوج الدينامية الوطنية مع هشاشة السياسة الزراعية الأوروبية، التي تفرض على الفلاحين الإسبان معايير بيئية صارمة وتكاليف إنتاج مرتفعة، في حين لا تُطبق نفس المعايير على المنتوجات المغربية، ما يجعل المنافسة غير متكافئة ويضغط على القطاع الزراعي الإسباني.
من جانبه، يسير المغرب بخطى ثابتة لتعزيز مكانته كقوة زراعية إقليمية، مستفيدًا من استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” التي ضخت استثمارات ضخمة لتحديث أساليب الإنتاج وتحسين البنية التحتية المائية، بدعم تمويلي أوروبي يقدر بحوالي 8,5 مليارات يورو، ما جعله المستفيد الأكبر من برامج التنمية المستدامة في المنطقة.
وقد مكّنت هذه الاستثمارات المغرب من تعزيز موقعه كمورد رئيسي للمنتجات الزراعية الطازجة إلى إسبانيا، متجاوزًا دولًا أوروبية راسخة في القطاع، وتشمل الصادرات المغربية الطماطم، الفلفل، الفراولة، والأفوكادو، التي تنافس نظيراتها الإسبانية في الجودة والسعر.
في المقابل، يواجه الفلاح الإسباني تحديات متزايدة، مع ارتفاع كلفة الإنتاج وضعف الدعم العمومي، إضافة إلى اقتراب تخفيض ميزانية السياسة الزراعية المشتركة المخصصة لإسبانيا، ما يهدد بإغلاق المشاريع الصغيرة وهجرة المهنيين نحو أنشطة أخرى، ويزيد من هشاشة القطاع أمام المنافسة الخارجية.
ويربط الخبراء النجاح المغربي بالجمع بين الابتكار والتدبير المستدام للموارد، حيث يعتمد المغرب على الطاقات المتجددة لتشغيل مراكز البيانات الزراعية، ويستثمر في الهيدروجين الأخضر كمصدر طاقي مستقبلي، إلى جانب تطوير البنية المائية عبر السدود ومحطات التحلية، مما يعزز مرونة القطاع أمام التغيرات المناخية.
ويخلص كاتب المقال خوسي غارسيا مارتينيث إلى أن أوروبا تواجه مفارقة حقيقية: فهي تموّل نموذجًا زراعيًا ناجحًا في الضفة الجنوبية للمتوسط، بينما تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية فلاحتها الداخلية، متسائلًا: “إذا كانت أوروبا لا تحمي فلاحيها ولا تستثمر في مستقبلهم، فماذا تبقى لإسبانيا داخل هذا الاتحاد؟”
ويبدو أن التوازن الزراعي في حوض المتوسط بصدد إعادة التشكل، حيث تتحول الحقول المغربية إلى مختبر للزراعة الذكية، في حين تتراجع الحيوية الإنتاجية للحقول الإسبانية تحت وطأة البيروقراطية والتحديات الاقتصادية، ما يرشح المغرب ليصبح نموذجًا جديدًا للزراعة الذكية والمستدامة في المنطقة.




