معضلة الاستهلاك لدى جيل زد: ما الذي يدفع أعداء الموضة السريعة لشرائها؟

في زمن تتسارع فيه صيحات الموضة وتتضاعف الخيارات الشرائية بنقرة زر، يواجه جيل جديد من المستهلكين تحدياً مزدوجاً: التمسك بقيمه البيئية في مواجهة إغراءات الاستهلاك السريع والرخيص.
هذا الجيل، المعروف باسم جيل زد (مواليد 1997–2012)، لم يعد مجرد قوة شرائية ناشئة، بل أصبح مؤثراً في توجيه سياسات الاستهلاك العالمية، خصوصاً فيما يتعلق بالاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
ويمتاز هذا الجيل بوعي بيئي واضح، حيث يعطي أهمية أكبر لأخلاقيات العلامات التجارية مقارنة باسمها، ويُظهر استعداداً لدفع مبالغ أعلى مقابل منتجات صديقة للبيئة.
تشير الدراسات إلى أن أكثر من 75% من أفراد جيل زد يعتبرون الاستدامة أولوية، بينما 81% منهم مستعدون لدفع سعر أعلى لمنتجات مسؤولة بيئياً.
ويترجم هذا الوعي إلى سلوكيات عملية، تشمل البحث عن أخلاقيات العلامات التجارية وسلاسل التوريد قبل الشراء، والاستخدام المكثف لمنصات إنستغرام وتيك توك لاكتشاف المنتجات المستدامة، وهو ما ساهم في حملات عالمية مثل “من صنع ملابسي؟”، فضلاً عن زيادة شعبية سوق السلع المستعملة الذي يُتوقع أن يصل إلى 329 مليار دولار عالمياً بحلول عام 2029.

لكن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يعقد الصورة: فبينما يحمل جيل زد قيم الاستدامة، يجد نفسه منجذباً إلى الشراء السريع والرخيص، خاصة عبر منصات التجارة الإلكترونية وعالم الموضة السريعة.
فعلى سبيل المثال، تم تحميل تطبيق “شين” أكثر من 54 مليون مرة خلال الأسابيع الـ19 الأولى من 2025، ما يبرز سيطرة الرغبة في السعر المنخفض والإشباع الفوري على القيم البيئية.
كما تشير البيانات إلى أن نصف مستهلكي هذا الجيل تقريباً يفضلون الشحن السريع، رغم أثره البيئي الكبير. وهذا التناقض بين القيم والسلوكيات يُعرف بـ”فجوة الموقف والسلوك”، ويُظهر أن البيئة الحديثة تجعل الالتزام بالاستدامة تحدياً حقيقياً حتى للأجيال الأكثر وعياً.
أحد أبرز العوائق هو ارتفاع كلفة المنتجات المستدامة، ما يجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بخيارات الموضة السريعة، خصوصاً في ظل ضغوط غلاء المعيشة. ومن هنا، يصبح الميل نحو السرعة والرخصة اختياراً عملياً أكثر من كونه مجرد ترف.
ولسد هذه الفجوة، يحتاج السوق إلى استراتيجيات مزدوجة: الشركات يجب أن تجعل الاستدامة أكثر سهولة واقتصادياً، مع زيادة الشفافية حول الأثر البيئي للمنتجات، بينما يمكن لجيل زد تعزيز وعيه بالتكلفة الحقيقية للاستهلاك، وتنمية التفكير النقدي تجاه الرسائل التسويقية وصيحات وسائل التواصل الاجتماعي، لتقليص الفجوة بين القيم والسلوك.
ومع موسم الإنفاق الصيفي، ستظل اختيارات جيل زد مؤشراً حاسماً لمسار الاستدامة في الاقتصاد العالمي، ودليلاً على مدى قدرة القيم البيئية على مواجهة إغراءات الاستهلاك الفوري.



