مضيق هرمز يعيد كتابة قواعد الاقتصاد العالمي… من وفرة الطاقة إلى ندرة الاستقرار

لم يكن في حسابات الأسواق أن تعود مخاطر الجغرافيا السياسية بهذه السرعة إلى صدارة المشهد الاقتصادي العالمي. فبعد فترة قصيرة من الهدوء النسبي، جاءت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز لتكشف هشاشة التوازنات التي بُنيت خلال السنوات الماضية، وتضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة جديدة تمسّ قلب منظومة الطاقة الدولية.
فما يحدث اليوم لا يشبه الأزمات التقليدية التي اعتادت عليها الأسواق، بل يبدو كاختناق تدريجي في أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفق النفط، حيث تتسارع حركة الأسعار بوتيرة تتجاوز قدرة البيانات على التفسير، بينما تتراجع قدرة الحكومات على الاستجابة السريعة كما في الأزمات السابقة.
المشاهد القادمة من منطقة الخليج أعادت إلى الأذهان فترات الاضطراب الكبرى التي شهدها الاقتصاد العالمي، خصوصًا خلال جائحة “كوفيد-19”. غير أن الفارق الجوهري اليوم لا يتعلق بانهيار الطلب، بل بصدمة في جانب العرض، أي في انسياب الطاقة نفسه.
وبينما تتوالى الأنباء عن توترات عسكرية وتضرر منشآت حيوية، تبقى حركة ناقلات النفط محدودة ومضطربة، ما يضع الأسواق أمام حالة ترقب مفتوحة لا تبدو نهايتها قريبة، بل مرشحة لإعادة تشكيل موازنات الدول وخططها المالية لسنوات مقبلة.

تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن حجم الاضطراب الحالي قد يعادل تقريبًا نصف التأثير الذي خلفته جائحة كورونا، لكنه يختلف جذريًا في طبيعته. ففي حين كانت أزمة 2020 قائمة على انهيار الطلب العالمي بنحو 20%، فإن الأزمة الحالية تتطلب تعديلًا في الاستهلاك العالمي بنحو 10% فقط لتحقيق التوازن، نتيجة اختناق الإمدادات.
ورغم أن تدفقات ضخمة من النفط عبر المضيق تعطلت، فإن استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية وتغيير مسارات الشحن خفّف جزئيًا من حجم الفجوة، ليبقى العجز الفعلي أقل من السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا، لكنه يظل كافيًا لزعزعة استقرار الأسواق.
غالبًا ما يُختزل الحديث في أسعار النفط الخام، لكن التأثير الحقيقي يظهر بشكل أسرع وأقسى في أسعار المشتقات مثل الديزل ووقود الطائرات.
ففي أوروبا تحديدًا، قفزت هوامش التكرير بشكل حاد نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات، إضافة إلى أن المصافي تضطر لمعالجة أنواع من الخام تختلف عن تلك التي صُممت للعمل عليها، ما يقلل الكفاءة ويرفع التكاليف.
والنتيجة أن المستهلك النهائي يواجه ارتفاعات سريعة في أسعار الوقود، تفوق بكثير وتيرة تحرك سعر البرميل في الأسواق العالمية.
استعادة التوازن في السوق تتطلب، وفق تقديرات عديدة، تقليص الاستهلاك العالمي بنحو 10 ملايين برميل يوميًا. ولتحقيق ذلك، لا بد أن ترتفع الأسعار بشكل كبير، قد يقترب من الضعف في بعض السيناريوهات.
ويرجع ذلك إلى الطبيعة غير المرنة للطلب على النفط، حيث لا يتغير الاستهلاك بسهولة إلا عند ارتفاعات سعرية حادة، ما يجعل الأسعار الأداة الأساسية لإجبار السوق على إعادة التوازن.

الاقتصاد العالمي اليوم يقف أمام اختبار مشابه لما حدث في 2022، عندما فشلت الأسواق في تقدير حجم التضخم الناتج عن صدمات الطاقة. واليوم، يتكرر القلق نفسه ولكن في سياق أكثر حساسية.
بعض الاقتصادات، خصوصًا في أوروبا، تواجه احتمال تباطؤ النمو وارتفاع التضخم في آن واحد، بينما تبقى المخاوف متمركزة حول ما إذا كان العالم يتجه نحو موجة تضخم ممتدة أكثر من دخوله في ركود تقليدي.
التقديرات تشير إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يضيف ضغوطًا تضخمية إضافية في أوروبا، مع تباطؤ واضح في النمو الاقتصادي. لكن قدرة الحكومات على الاستجابة أصبحت محدودة مقارنة بالماضي.
فالمؤسسات الأوروبية تُبدي تحفظًا تجاه التوسع المالي الكبير، خشية تحويل أزمة الطاقة إلى أزمة ديون، خاصة في الدول ذات العجز المرتفع، ما يقلص هامش المناورة المتاح أمام الحكومات.
العالم اليوم مثقل بمستويات دين غير مسبوقة، ما يحدّ من قدرة الحكومات على تقديم دعم واسع النطاق كما حدث خلال الجائحة.
ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة عوائد السندات يعكسان تزايد قلق المستثمرين من الاستدامة المالية، وهو ما يفرض قيودًا إضافية على أي تدخل حكومي واسع لاحتواء الأزمة.
دول في قلب العاصفة وأخرى تملك هامش حماية
الدول ذات المديونية المرتفعة والهوامش المالية الضيقة تواجه خطرًا أكبر، إذ تصبح أقل قدرة على دعم أسعار الطاقة أو حماية المستهلك من الصدمات.
في المقابل، تتمتع بعض الاقتصادات التي تلتزم بانضباط مالي ونقدي بقدرة أكبر على امتصاص الصدمة دون انتقال مباشر إلى تضخم طويل الأمد، بفضل احتياطياتها واستقرار سياساتها الاقتصادية.
تتباين استجابات البنوك المركزية عالميًا وفقًا لمدى تعرض كل اقتصاد لصدمات الطاقة. ففي أوروبا، تميل السياسة النقدية نحو التشديد لكبح التضخم المستورد، بينما تتعامل الولايات المتحدة بحذر أكبر بفضل استقلالها النسبي في مجال الطاقة.
هذا التباين يعكس حقيقة أن الأزمة واحدة في مصدرها، لكنها متعددة في تأثيراتها الجغرافية والاقتصادية.
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد تقلب في أسعار الطاقة، بل تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي يعيد رسم موازين القوة بين الدول والأسواق.
فبينما تتراجع قدرة الحكومات على التدخل، وتزداد حساسية الأسواق للصدمات الجيوسياسية، يجد العالم نفسه أمام معادلة صعبة: كبح التضخم أو تجنب الركود، في وقت تبدو فيه أدوات السياسة الاقتصادية أقل فاعلية مما كانت عليه في الماضي.
وفي ظل استمرار الاضطراب في مضيق هرمز، يبدو أن مرحلة “الطاقة الرخيصة” والتدخلات السهلة قد أصبحت جزءًا من الماضي، ليبدأ فصل جديد أكثر تعقيدًا في الاقتصاد العالمي، عنوانه: عدم اليقين الدائم.




