كابلات الإنترنت البحرية تحت حصار الصراعات الجيوسياسية في ممرات الشرق الأوسط

في خضم الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، لم تعد المخاطر تقتصر على النفط أو التجارة، بل امتدت لتطال “العمود الفقري الرقمي للعالم”.
كابلات الألياف الضوئية التي تمر تحت البحار والمحيطات وتربط القارات، وتحمل تريليونات الدولارات من المعاملات المالية وأسرار الدول ونبض التواصل البشري، أصبحت اليوم أهدافًا استراتيجية يمكن لأي تصعيد عسكري أن يوقفها.
يمثل البحر الأحمر أقصر مسار وأكثره كفاءة لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا، حيث يمر عبره أكثر من 17 كابلًا بحريًا، وتعتمد أكثر من 90% من الاتصالات بين القارتين على هذا الطريق عبر قناة السويس.
أي اضطراب فيه يهدد حركة البيانات العالمية، ويؤدي إلى خسائر هائلة في الخدمات المصرفية والرقمية.

في مارس 2024، أدت حادثة السفينة البريطانية “روبيمار” إلى تمزيق كابلات رئيسية مثل “AAE-1″ و”Seacom” و”EIG”، ما عطّل ربع حركة البيانات بين آسيا وأوروبا، وربطت الجهات المختصة هذا الحادث بأنشطة الحوثيين المدعومين من إيران.
الكابلات الأكثر عرضة للمخاطر في منطقة التوتر (البحر الأحمر والخليج العربي) | ||
# | الكابل البحري | الأهمية الاستراتيجية ونطاق الربط |
1 | SEA-ME-WE (3, 4, 5, 6) | سلسلة كابلات تمثل العمود الفقري للربط بين جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا الغربية. |
2 | AAE-1 | يمتد من شرق آسيا إلى أوروبا لمسافة 25 ألف كم؛ وتضرر مرتين (2024 و2025) ويمر عبر نقاط حساسة قرب إيران واليمن. |
3 | 2Africa | أحد أطول الكابلات في العالم، يطوق القارة الأفريقية ويربطها بالشرق الأوسط. |
4 | EIG | كابل حيوي يربط المملكة المتحدة بالهند بمسار يمر عبر البحر الأحمر. تعرض لأضرار مادية في البحر الأحمر خلال عام 2024. |
5 | FLAG Europe-Asia | من أقدم وأهم الكابلات التي تربط المراكز المالية العالمية ببعضها. |
6 | Falcon | يربط دول الخليج كافة ويمر بمحاذاة السواحل الإيرانية. |
7 | FIG / Oryx | مشاريع استراتيجية لربط دول الخليج؛ نظام (FIG) البحري و(Oryx) الأرضي تابع لـ “stc“. |
8 | IMEWE | يربط الهند بأوروبا؛ سُجل كأحد أبرز الضحايا في هجمات سبتمبر 2025 قرب جدة. |
تمتلك إيران غواصات صغيرة من طراز “غدير”، قادرة على العمل في المياه الضحلة، بالإضافة إلى إمكانية استخدام مراسي السفن أو غواصين متخصصين لتعطيل الكابلات قرب سواحلها. هذا يجعل مضيق هرمز نقطة ضعف إستراتيجية، حيث يمكن لأي تصعيد عسكري أن يؤدي إلى تعطيل شبكة الإنترنت العالمية بالكامل.
مع تصاعد المخاطر، شرعت شركات كبرى مثل “جوجل” في تطوير مسارات برية، عبر مشروع “Blue-Raman” الذي يمر بالسعودية والأردن لتخفيف الاعتماد على الكابلات البحرية.
كما وضعت دول مثل الهند والسعودية خطط طوارئ رقمية تشمل زيادة سعة التخزين المحلية وربط البيانات إقليميًا، مع التركيز على “تعدد المسارات” لضمان استمرار الإنترنت حتى في حالات الأزمة.
ارتفعت تكلفة تأمين سفن إصلاح الكابلات في مناطق النزاع إلى 150 ألف دولار يوميًا، ما يبطئ استعادة الشبكات إلى العمل الطبيعي. المسارات البرية والفضائية، مثل أقمار “ستارلينك”، تظل حلولًا محدودة، إذ يمكنها تغطية 1% إلى 3% فقط من حركة البيانات العالمية، غير قادرة على منافسة السعة الهائلة للألياف الضوئية.
اليوم، لم تعد الحرب تهدد النفط والتجارة فقط، بل امتدت لتصبح “شرايين العالم الرقمية” أهدافًا استراتيجية. شركات التكنولوجيا الكبرى مثل “ميتا” و”جوجل” تُجبر على البحث عن بدائل برية مكلفة ومعقدة سياسيًا. ويصف المحللون العسكريون تهديد الكابلات بأنه “خيار شمشون” تقني، ما يطرح سؤالًا حادًا للمستثمرين وصناع القرار: هل نعيش نهاية عصر الإنترنت العابر للقارات وبداية عصر الشبكات الوطنية؟




