قلة الدخل تدفع 64٪ من الشباب المغربي بعيداً عن البنوك

خلف بريق الأرقام التي تتحدث عن “الرقمنة” و”الشمول المالي” في المغرب، تصدمنا الحقيقة المرة التي كشف عنها تقرير حصري حديث (أعدته صحيفة “ليكونوميست” بالتعاون مع مكتب “سونيرجيا”)؛ حيث تبين أن قرابة ثلثي الشباب المغاربة (64%) يعيشون في “عزلة بنكية” تامة، معتمدين بشكل كلي على السيولة النقدية (الكاش) لإدارة حياتهم اليومية.
هذا الرقم الصادم لا يعكس مجرد “عزوف ثقافي” أو خوف من التكنولوجيا، بل هو مرآة لواقع اجتماعي معقد يضع الشباب في مواجهة مباشرة مع مؤسسات مالية يراونها “أجساماً غريبة” عن احتياجاتهم.
كشف التحقيق أن العائق الأكبر ليس الجهل بالخدمات البنكية، بل هو “اقتصاد القلة”.
فبالنسبة لشاب يكافح بموارد لا تتعدى بضع مئات من الدراهم شهرياً، يُعتبر الحساب البنكي “ترفاً لا مبرر له”.
التقرير وضع يده على الجرح: حينما يكون الدخل محدوداً جداً، تصبح “الرسوم البنكية” والمصاريف الخفية بمثابة ضريبة إضافية تلتهم ما تبقى من مدخرات بسيطة، مما يدفع الفئات الهشة، خاصة في القرى وبين العاطلين عن العمل، إلى البقاء في منطقة الأمان النقدي بعيداً عن تعقيدات العقود والمساطر.
لم تكن نتائج التقرير سوداوية بالكامل، بل حملت إشارة استراتيجية هامة؛ فالشباب الذين تمكنوا من كسر هذا الحاجز وفتح حسابات بنكية أظهروا اندماجاً اقتصادياً أرقى.
هؤلاء يمتلكون قدرة أكبر على:
التخطيط للمستقبل: عبر ثقافة الادخار المنظم.
ريادة الأعمال: الاستفادة من التمويلات لإطلاق مشاريع صغيرة.
الأمان المالي: حماية مواردهم من الضياع أو التلف المرتبط بالنقد.
في المقابل، يظل عدم الانخراط في النظام الرسمي “عقبة صامتة” تحرم الغالبية من الاستقلال المالي، وتجعلهم حبيسي دائرة الهشاشة التي لا ترحم.
يخلص التحقيق إلى نتيجة قاسية ولكنها واقعية: “البنك بالنسبة لغالبية الشباب هو عالم غريب”. وطالما ظلت السياسات العمومية والفاعلون الماليون يصممون خدماتهم لنخبة معينة، سيبقى هذا الشرخ قائماً.
إن إصلاح هذا الخلل يتطلب أكثر من مجرد حملات إعلانية؛ إنه يتطلب إعادة نظر شاملة في تكلفة الخدمات البنكية وتبسيطها لتلائم “القدرة الشرائية المحدودة”، وإلا سيبقى ثلثا شبابنا يخبئون أحلامهم (وأموالهم القليلة) في المحافظ التقليدية، بعيداً عن دورة الاقتصاد الوطني الحديث.




