الاقتصادية

فخ البريق: عندما تصبح “الشهرة” أسوأ مستشار مالي

لا تبدأ القصة دائمًا بانهيار مفاجئ أو أرقام حمراء صادمة، بل غالبًا ما تنطلق بهدوء، مع ثقة مفرطة في اسم لامع أو علامة تحظى بإجماع نادر.

المستثمرون يطمئنون، الأخبار إيجابية، والعناوين تحتفي بـ«القصة الكبيرة». لكن خلف هذا الهدوء، قد تكون المخاطر تتراكم بصمت، تمامًا كما يتجمع الماء في عنابر سفينة تبدو من الخارج في أوج مجدها.

هذا ما جسّدته «تايتنك» قبل أكثر من قرن، حين تحولت سمعتها كسفينة «لا تغرق» إلى عامل تخدير جماعي. الثقة المطلقة أخّرت ردّ الفعل، وجعلت كثيرين يتجاهلون المؤشرات الواضحة على الخطر. لم تكن المشكلة في الجليد وحده، بل في الإيمان الأعمى بالصورة الذهنية التي صُنعت حول السفينة.

اليوم، يتكرر المشهد نفسه في أسواق المال تحت مسمى «انحياز الشهرة»؛ حيث تُسعَّر الأصول لا وفق أساسياتها، بل وفق قدرتها على جذب الانتباه، وحجم الضجيج الإعلامي المحيط بها، والأسماء اللامعة المرتبطة بها.

في صيف 2015، كانت شركة «وايت ووتشرز» تعيش مرحلة صعبة، مع تراجع عدد المشتركين وتباطؤ النمو. دخول أوبرا وينفري على خط الملكية بشراء 10% من أسهم الشركة غيّر كل شيء تقريبًا. لم يكن الإعلان مجرد صفقة استثمارية، بل حدثًا إعلاميًا ضخمًا أعاد الثقة دفعة واحدة.

السهم قفز بسرعة، وتحوّلت شهرة أوبرا إلى محرّك مزدوج: ترويج للمنتج وزخم في السوق. خلال سنوات قليلة، تضاعفت القيمة السوقية بشكل لافت، وبدا وكأن الشركة وجدت طوق النجاة الذي طال انتظاره.

لكن هذا الطوق لم يكن مقاومًا للتحولات العميقة. مع ظهور أدوية إنقاص الوزن الحديثة من فئة GLP-1، تغيّرت خريطة الصناعة بالكامل. بدأ السهم رحلة هبوط حادة، وتراجعت الإيرادات، لتتكشف حقيقة أن الشهرة وحدها لا تستطيع مواجهة تغيّر قواعد اللعبة.

إعلان أوبرا انسحابها في 2024 جاء بمثابة اختبار أخير لهذا الانحياز. السوق ردّ بسرعة، والسهم تراجع فورًا، فيما تكبّد الاستثمار نفسه خسارة كبيرة، في مثال واضح على أن البريق قد يرفع الأسعار سريعًا، لكنه لا يضمن استدامتها.

في زمننا الراهن، يصعب تجاهل حالة «تسلا». الشركة لا تُقيَّم فقط كشركة سيارات، بل كمنصة لمستقبل تقوده شخصية استثنائية. إيلون ماسك، بتصريحاته وتحركاته، حوّل السهم إلى ظاهرة إعلامية دائمة الحضور.

هذا الحضور انعكس في تقييمات غير مسبوقة. مضاعفات ربحية مرتفعة، وقيمة سوقية تجاوزت في فترات مجموع قيم عمالقة الصناعة مجتمعين، رغم محدودية الحصة الفعلية من الإنتاج العالمي. السوق هنا لا ينظر إلى ما تبيعه الشركة اليوم، بقدر ما يراهن على ما تعد به غدًا.

ورغم تباطؤ المبيعات وتراجع الأرباح، استمرت القيمة السوقية في الصمود عند مستويات قياسية. السبب ليس الأرقام وحدها، بل «القصة»: القيادة الذاتية، الذكاء الاصطناعي، والطاقة المستقبلية. إنها قوة السرد حين يطغى على الحسابات التقليدية.

لم يعد التأثير حكرًا على الرؤساء التنفيذيين أو كبار المستثمرين. منصات التواصل الاجتماعي أنتجت فئة جديدة من «صانعي الزخم»، حيث يمكن لتغريدة أو فيديو أن يشعل موجة شراء أو بيع. تجارب العملات الرقمية، وبعض الأسهم، أظهرت كيف يمكن للشهرة الرقمية أن تضخم الأسعار بسرعة، قبل أن يتلاشى الأثر أو يترك خسائر فادحة.

صحيح أن كثيرًا من هذه التحركات مؤقت، لكن حين تتراكم وتتحول إلى سلوك جماعي، يصبح الأثر أعمق، وقد يغطي على نقاط ضعف حقيقية في نماذج الأعمال أو هيكل الإيرادات.

درس «تايتنك» لا يزال صالحًا: الخطر الحقيقي ليس في الصدمة المفاجئة، بل في الثقة المفرطة التي تسبقها. في الاستثمار، كما في البحر، ما يطفو على السطح لا يعكس دائمًا الحجم الكامل للمخاطر.

النجاة لا تكون بالانبهار بالأسماء اللامعة أو القصص الجذابة، بل بالقدرة على كبح الضجيج، والعودة إلى الأساسيات. فحين تتحول الشهرة من عامل جذب إلى بديل عن التحليل، يصبح الغرق مسألة وقت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى