الاقتصاديةالتكنولوجيا

عيون الروبوتات.. كيف حول مهندس صيني رؤيته إلى ثروة ومستقبل صناعي

في بكين، حيث الشمس الحارقة لصيف أغسطس تتسلل بين ناطحات السحاب، لم تكن الأنظار تتجه فقط إلى الروبوتات التي تجري بسرعة، تضرب كرة القدم، وتمارس حركات الكونغ فو، بل إلى “ما تراه” هذه الآلات. كل خطوة، وكل حركة متقنة، كانت نتاج رؤية اصطناعية تفتح الباب أمام مستقبل صناعي جديد… مستقبل صنعه مهندس صيني بدأ مشواره في مختبرات الفيزياء وانتهى به المطاف مليارديرًا يقود ثورة تكنولوجية في عالم الروبوتات.

في أغسطس 2025، احتضنت بكين أول بطولة عالمية لألعاب الروبوتات البشرية، بمشاركة نحو 500 روبوت من 16 دولة. تنافست هذه الروبوتات في 26 مسابقة مختلفة، شملت سباقات العدو، كرة القدم، الرقص، الفنون القتالية، ومحاكاة أعمال المصانع، لتبرز مهارات جديدة في الذكاء الاصطناعي والهندسة الروبوتية.

برزت مجموعة الروبوتات “إكس-هيومانويد” التابعة لمعهد أبحاث صيني مدعوم من الدولة، حيث حصدت 10 ميداليات، بينها ذهبيتان. فاز روبوت Tien Kung Ultra بسباق 100 متر، بينما انتزع روبوت Tian Yi المركز الأول في مسابقة مناولة المواد الصناعية، ما أبرز قدرة الروبوتات على تنفيذ مهام دقيقة ومعقدة.

السر وراء هذا التفوق كان التكنولوجيا البصرية المتقدمة لشركة صينية ناشئة تُدعى أوربيك (Orbbec)، ومقرها شنتشن، والتي طورت مجسّات رؤية ثلاثية الأبعاد تمكن الروبوتات من إدراك العمق والتفاعل بدقة مع البيئة المحيطة.

يرأس الشركة هوارد هوانغ (46 عامًا)، الذي يسعى لمنح الروبوتات قدرات بصرية تتفوق على الإنسان. تأسست الشركة عام 2013، وبدأت بتطوير مستشعرات للرؤية ثلاثية الأبعاد تُستخدم في المسح، التعرف على الوجوه، تمييز الأجسام، والملاحة.

ومع توسع استخدام هذه التكنولوجيا، دخلت أوربيك في مجالات الروبوتات الصناعية، الروبوتات المتنقلة، السيارات ذاتية القيادة، والطائرات المسيّرة.

تشير التقارير إلى أن سوق الروبوتات العالمي ينمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 14%، ومن المتوقع أن يصل إلى 179 مليار دولار بحلول 2033. الصين، كأكبر سوق للروبوتات، تقود هذا الطلب بدعم حكومي واضح، وهو ما منح أوربيك فرصًا استثنائية.

بحلول نهاية سبتمبر 2025، سجلت الشركة أول ربح صافٍ لها بقيمة 69 مليون يوان (حوالي 9.8 مليون دولار)، بعد سنوات من الخسائر، وتضاعفت الإيرادات لتصل إلى 714 مليون يوان. مع ارتفاع الطلب على مستشعراتها، ارتفع سعر سهم الشركة في بورصة شنغهاي، ما جعل هوانغ مليارديرًا بثروة تُقدّر بـ1.6 مليار دولار مطلع 2026.

تمتلك أوربيك شبكة واسعة من العملاء، بما في ذلك شركة أنتغروب المالكة لمنصة “أليباي”، التي تعتمد على مستشعرات أوربيك للتعرف على الوجوه في الدفع غير التلامسي.

في قطاع الروبوتات، تزود الشركة شركات مثل “بودو روبوتيكس” و”غاوسيوم” في الصين، و”ربوكاير” في كوريا الجنوبية، مستحوذة على نحو 70% من سوق مستشعرات الروبوتات المتنقلة.

يركز هوانغ اليوم على الروبوتات البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي يُتوقع أن تصبح أكبر فئة في السوق مستقبلاً، مع تقديرات تصل قيمتها إلى 7.5 تريليون دولار بحلول 2050. وتؤكد الشركة تفوق تقنياتها على منافسيها الأمريكيين، بفضل دقة مستشعراتها وتنوع منتجاتها.

هوانغ درس الفيزياء في جامعة بكين وسنغافورة، وأكمل الدكتوراه في هونغ كونغ. وبعد سنوات من البحث الأكاديمي، قرر تحويل أفكاره إلى صناعة فعلية، مستفيدًا من خبراته التقنية ورؤيته الطموحة.

اليوم، تستثمر أوربيك نحو 980 مليون يوان لتطوير الجيل الجديد من مستشعراتها وتوسيع مصانعها في الصين وفيتنام. ومع دمج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات، يرى هوانغ أن المستقبل أصبح أقرب من أي وقت مضى، قائلاً: “كنت دائمًا متفائلًا بالروبوتات… ومع الذكاء الاصطناعي، أصبح المستقبل واسعًا بقدر النجوم والبحر”.

ومن مختبرات الفيزياء إلى ساحات السباق الروبوتية، أصبح ما تراه الروبوتات هو أساس ثروة هوانغ… ومستقبل صناعة بأكملها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى