الاقتصادية

صندوق النقد الدولي: سحب الاحتياطيات النفطية خفّف صدمة الأسعار لكن المخاطر لا تزال مرتفعة

حذّر كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه جورينشا، من أن الاقتصاد العالمي لا يزال يواجه مخاطر هبوط حادة، رغم أن عمليات السحب من المخزونات النفطية الاستراتيجية ساعدت في كبح موجة ارتفاع قوية في الأسعار خلال الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد التوترات المرتبطة بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي مقابلة مع وكالة “رويترز”، أوضح جورينشا، الذي يستعد لمغادرة الصندوق والعودة إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن اللجوء إلى الاحتياطيات النفطية ساهم في امتصاص جزء مهم من الصدمة، لكنه أشار في المقابل إلى أن هذه المخزونات “تآكلت بشكل كبير”، ما يقلّص قدرة الدول على مواجهة أي اضطرابات مستقبلية في الإمدادات.

وأضاف أن المشهد الحالي يجعل الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة أمام أي تصعيد جديد، في ظل استمرار وقف إطلاق النار “الهش” بين واشنطن وطهران، محذراً من أن انهياره قد يعيد أسواق الطاقة إلى حالة اضطراب واسعة.

وبحسب جورينشا، فإن سرعة استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية خلال الأزمة الأخيرة حدّت من ارتفاع أسعار النفط، إذ لم يتم سحب سوى نحو 3% من الإمدادات العالمية، مقارنة بتوقعات أولية رجّحت سحب ما بين 10% و15%.

غير أن هذا التدخل السريع، وفق تقديره، ترك الدول أمام هامش محدود للتحرك في حال تجددت التوترات، ما يعني أن أي صدمة جديدة في الإمدادات قد يكون تأثيرها أكثر حدة على الأسعار والأسواق.

وأشار إلى أن غياب سوابق تاريخية كافية خلال عامي 2025 و2026 يجعل من الصعب بناء توقعات دقيقة، داعياً الاقتصاديين إلى “قدر أكبر من التواضع” في التعامل مع النماذج التقليدية، والاعتماد بدلاً من ذلك على سيناريوهات متعددة تعكس درجات مختلفة من المخاطر.

ولم يكشف جورينشا عن تفاصيل التوقعات الجديدة التي سيصدرها صندوق النقد الدولي في 8 يوليو، لكنه لمح إلى إمكانية العودة إلى نموذج التوقع الأساسي بدلاً من سيناريوهات متعددة، في تحول محتمل عن النهج المعتمد مؤخراً.

وكان الصندوق قد لجأ في مناسبات سابقة إلى التخلي عن التوقعات الأساسية، خصوصاً في فترات عدم اليقين المرتفعة، مثل الاضطرابات التجارية التي أعقبت فرض رسوم جمركية واسعة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي أربكت سلاسل التجارة العالمية.

وفي هذا السياق، أشارت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، إلى أن المؤسسة لا تزال تدرس ما إذا كانت ستواصل تقديم سيناريوهات متعددة للنمو أو ستعود إلى الإطار التقليدي للتوقعات الأساسية، في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية.

وفي تقرير سابق، ربط الصندوق بين ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل وإغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى انتقال الاقتصاد العالمي من سيناريو متفائل يفترض انتهاء سريع للصراع ونمو قدره 3.1% في 2026، إلى سيناريو أكثر تشاؤماً عند 2.5%.

وأكد جورينشا أن استمرار سحب الاحتياطيات الاستراتيجية وتغيّر أنماط الإنتاج ساعدا في تجنب صدمة سعرية أكبر، لكن هذا “الهامش الوقائي” بات اليوم أضيق بكثير، ما يرفع من احتمالات التقلبات الحادة في أسعار النفط إذا تدهور الوضع الأمني مجدداً.

كما أشار إلى أن أي انهيار في وقف إطلاق النار قد يدفع الأسواق إلى موجة جديدة من الاضطراب، في وقت تبقى فيه إمدادات الطاقة العالمية شديدة الحساسية للتطورات الجيوسياسية في المنطقة.

وفي سياق متصل، حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران مسؤولية هجوم استهدف سفينة قرب سلطنة عُمان، واعتبره خرقاً لاتفاق التهدئة، ما أعاد تسليط الضوء على هشاشة التوازن القائم في المنطقة.

وعلى صعيد الاقتصاد العالمي، أشار جورينشا إلى أن أنماط التجارة الدولية تشهد إعادة تشكيل واضحة في أعقاب الرسوم الجمركية الأميركية، لافتاً إلى تسارع إبرام اتفاقيات تجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول في أمريكا اللاتينية والهند بعد سنوات من الجمود.

وقال إن هذه التحولات تعكس توجهاً متزايداً نحو تنويع الشراكات التجارية بعيداً عن الولايات المتحدة، معتبراً أن ذلك لم يكن مجرد صدفة بل نتيجة مباشرة للتغيرات في السياسات التجارية العالمية.

وفي المقابل، شكك في فعالية أدوات الضغط الاقتصادي مثل الرسوم الجمركية والعقوبات على المدى الطويل، موضحاً أن الأسواق والاقتصادات تميل سريعاً إلى التكيف عبر إيجاد بدائل ومسارات التفاف.

واختتم بالإشارة إلى أن “النفوذ الاقتصادي قد يكون مؤثراً على المدى القصير، لكنه يتراجع مع مرور الوقت أمام الابتكار وإعادة تشكيل العلاقات التجارية”، في إشارة إلى قدرة النظام الاقتصادي العالمي على التكيف مع القيود والصدمات المتكررة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى