صناعة الطيران تحت ضغط التسليم.. طلب متصاعد وأساطيل تنتظر في طوابير طويلة

لم تبدأ أزمة شركات الطيران العالمية من صالات المطارات أو شكاوى المسافرين، بل من خطوط الإنتاج ومخازن المصانع. فبينما عاد السفر الجوي ليحلق بأرقام قياسية بعد سنوات الجائحة، وجدت الشركات نفسها أمام واقع غير متوقع: طائرات جديدة عالقة في مراحل التصنيع، ومحركات وقطع غيار تتأخر أشهرًا قبل الوصول إلى وجهتها النهائية.
في هذا السياق، تحولت قصة “رايان إير” إلى مثال معبّر عن المأزق الذي يواجهه القطاع بأكمله. فالشركة الأوروبية منخفضة التكلفة، التي أعلنت قبل عامين خططًا واسعة لإطلاق مسارات جديدة وتوسيع شبكتها الإقليمية، اضطرت إلى التراجع خطوة إلى الوراء. تأخر تسليم طائرات “بوينج 737” أجبرها في يناير 2025 على خفض هدفها لعدد المسافرين في سنتها المالية 2026 من 215 مليونًا إلى 210 ملايين راكب، رغم قوة الحجوزات وارتفاع الطلب.
يعيش الطيران العالمي مفارقة لافتة: الطلب على السفر عاد بقوة بعد صدمة الجائحة، مع نمو يُقدّر بنحو 5.3% في 2025 مقارنة بالعام السابق، لكن هذا التعافي السريع أزاح الستار عن اختلالات هيكلية عميقة في منظومة التصنيع والصيانة.

النتيجة كانت تضخمًا في التكاليف، ونقصًا في المكونات الحيوية، وضغوطًا متزايدة على جداول التشغيل وخطط تحديث الأساطيل وربحية الشركات.
ولا تبدو الأزمة مجرد عثرة لوجستية عابرة، بل شبكة من العوامل المتداخلة التي تمتد آثارها إلى فرص استثمارية مهدرة، وتأجيل مشاريع بنية تحتية في المطارات، وتآكل ثقة المسافرين في موثوقية الخدمة.
تجلّت حدة المشكلة في الأرقام القياسية للطلبيات المتراكمة. ففي 2024، تجاوز عدد الطائرات التجارية غير المسلّمة عالميًا 17 ألف طائرة، ما يعادل نحو 60% من حجم الأسطول العامل آنذاك. هذا التراكم لا يقتصر على الطائرات النهائية، بل يشمل محركات وأنظمة طيران وهياكل أساسية.
إجمالي الطائرات التي جرى تسليمها من شركتي بوينج وإيرباص (* أرقام تقديرية)
السنة | بوينج | إيرباص |
2021 | 340 | 611 |
2022 | 480 | 661 |
2023 | 556 | 707 |
2024 | 588 | 710 |
*2025 | 620 | 725 |
الفجوة بين نمو الطلب ونمو السعة الاستيعابية باتت واضحة: عدد الركاب ارتفع بأكثر من 10% خلال 2024، بينما لم تتجاوز زيادة الطاقة التشغيلية 9% تقريبًا، ما أجبر شركات الطيران على إبقاء طائرات أقدم في الخدمة لفترات أطول، مؤجِّلة مكاسب الكفاءة وتقليل الانبعاثات.
وفي سوق قطع الغيار، تضاعفت فترات الانتظار، خصوصًا للمحركات. وتقول الرابطة الدولية للنقل الجوي (إياتا) إن شركات الطيران باتت تحتفظ بمخزونات أكبر من المعتاد للتحوط من عدم اليقين، ما يرفع التكاليف ويعقّد العمليات.
وقد اضطرت الخطوط الجوية البريطانية خلال 2024 إلى إيقاف عدد من طائرات “بوينج 787 دريملاينر” بسبب تأخر وصول قطع لمحركات “رولز رويس ترنت 1000”.
التكلفة الاقتصادية لهذه الاختناقات باهظة. وتشير دراسة مشتركة بين “إياتا” وشركة “أوليفر وايمان” إلى أن الخسائر التراكمية لتعطل سلاسل التوريد قد تتجاوز 11 مليار دولار في 2025، موزعة بين استهلاك وقود أعلى لطائرات أقل كفاءة، ونفقات صيانة إضافية، وتكاليف استئجار محركات خلال فترات الإصلاح الطويلة، إلى جانب كلفة تخزين مخزون أكبر من القطع.
هذه الضغوط لا تضرب هوامش الربح فحسب، بل تنعكس في نهاية المطاف على أسعار التذاكر ومستوى الاعتماد على خدمات النقل الجوي.
يزيد من تعقيد المشهد تركّز الصناعة في عدد محدود من اللاعبين.
فعلى صعيد تصنيع الطائرات التجارية، تهيمن شركتا “إيرباص” و“بوينج” على نحو 80% من الأسطول العالمي، بينما تتوزع الحصة المتبقية بين شركات أصغر في فئات إقليمية ومتخصصة.
أما سوق المحركات وقطعها، فتسيطر عليه أسماء كبرى مثل “برات آند ويتني”، و“جي إي إيروسبيس”، و“رولز رويس”.
وعندما تتعثر هذه الشركات في الإنتاج أو الجودة، تمتد التداعيات إلى كامل القطاع. وقد أدى هذا الخلل إلى ارتفاع غير مسبوق في تكلفة المحركات، التي باتت تمثل الجزء الأكبر من قيمة الطائرة مقارنة بعقود سابقة.
ويرى مسؤولو الصناعة أن عدم التوازن بين العرض والطلب قد يستمر حتى نهاية هذا العقد، ما يعزز القناعة بأن الأزمة ذات طابع هيكلي طويل الأمد.
في مواجهة هذه القيود، لجأت شركات الطيران إلى حلول غير تقليدية، أبرزها التوسع في استخدام القطع المستعملة الصالحة للخدمة المستخرجة من طائرات مفككة. وتُظهر التقديرات أن هذا السوق مرشح للنمو بقوة خلال العقد المقبل، مدفوعًا بالحاجة إلى مرونة أكبر وتكاليف أقل.
في الوقت ذاته، تعقّد التوترات التجارية العالمية والرسوم الجمركية ونقص العمالة الماهرة في مصانع المحركات والمكونات فرص الخروج السريع من المأزق، حتى مع ضخ استثمارات جديدة.
يسعى القطاع إلى بناء قدرته الذاتية على التكيف عبر أدوات رقمية تعزز الشفافية في سلاسل التوريد. وتبرز منصات مثل “إياتا إم آر أو سمارت هَب” كأمثلة على استخدام البيانات في مقارنة الأسعار وتحديد مصادر القطع وتحسين قرارات الشراء.
كما تتوسع تقنيات الصيانة التنبؤية للحد من الأعطال المفاجئة وتقليل فترات بقاء الطائرات على الأرض. وإلى جانب ذلك، تعمل شركات الطيران على تنويع مصادر التوريد والاعتماد بشكل أكبر على موردين مستقلين معتمدين، وتفضيل إصلاح المكونات بدل استبدالها بالكامل حيثما أمكن.
رغم الجهود المتزايدة، لا يلوح حل سريع في الأفق. فالأزمة نتاج تفاعل معقد بين طلب متسارع، وقدرات إنتاجية محدودة، وتركيز في السوق، وعوامل جيوسياسية متقلبة.
ومع ذلك، يتوقع خبراء أن يؤدي التوسع التدريجي في الطاقة الإنتاجية، والاستثمار في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى تخفيف حدة الاختناقات خلال السنوات المقبلة.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل مرونة الشركات وقدرتها على الابتكار عنصرين حاسمين في إبقاء الطائرات محلّقة، وسط سماء اقتصادية لا تزال مثقلة بالغيوم.




