شراء العقارات بالتنازل في المغرب يضع المشترين أمام مخاطر قانونية

قد يبدو اقتناء منزل أو قطعة أرضية عن طريق التنازل فرصة مناسبة للراغبين في امتلاك عقار بتكلفة أقل، خصوصاً في الحالات التي لا تتوفر فيها العقارات على رسوم عقارية واضحة.
غير أن وراء هذه المعاملات، التي تنتشر في بعض الأوساط العقارية، إشكالات قانونية قد تجعل المشتري عرضة لخسارة أمواله أو الدخول في نزاعات طويلة لإثبات حقوقه.
وتبرز هذه المخاطر بشكل خاص عندما تتم الصفقة اعتماداً على وثيقة تنازل محررة لدى كاتب عمومي، دون التحقق من مصدر الحقوق التي يتصرف فيها البائع أو التأكد من استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة. فالاتفاق على دفع ثمن مقابل التنازل عن عقار لا يعني بالضرورة أن المشتري أصبح مالكاً له، إذ يظل ذلك مرتبطاً بطبيعة الحقوق موضوع المعاملة والوضعية القانونية للعقار والوثائق التي تثبتها.
يُقصد بالبيع بالتنازل، وفقاً للممارسات المتداولة، دفع مبلغ مالي مقابل الحصول على حقوق مرتبطة بعقار غير محفظ، أي عقار لا يتوفر على رسم عقاري نهائي. وقد تشمل هذه الحقوق الحيازة أو الاستغلال أو الانتفاع، بحسب طبيعة الاتفاق والسندات التي يستند إليها الشخص المتنازل.
وفي بعض الحالات، يكتفي الطرفان بتحرير وثيقة تتضمن تنازل أحدهما عن الحقوق التي يدعي امتلاكها لفائدة الآخر، دون استكمال الإجراءات اللازمة لإثبات الملكية أو نقلها وفقاً للمقتضيات القانونية ذات الصلة.
وتكمن الإشكالية الأساسية في الخلط بين التنازل عن الحيازة أو حق الاستغلال وبين نقل ملكية العقار. فالوثيقة التي تثبت اتفاق الطرفين قد تساعد على إثبات بعض الحقوق أو الوقائع، لكنها لا تشكل، بمجرد تحريرها، ضماناً كافياً لامتلاك العقار بصورة قانونية.
لذلك، يظل التحقق من مصدر الحقوق التي يعرضها البائع، وطبيعتها، ومدى أحقيته في التصرف فيها، خطوة ضرورية قبل دفع الثمن أو توقيع أي اتفاق.
من أبرز المخاطر التي قد تواجه المشتري ظهور شخص آخر يطالب بالعقار، مستنداً إلى وثائق أو حقوق يعتبرها كافية لإثبات ملكيته. وقد يجد المشتري نفسه أمام نزاع قضائي إذا تبين أن الشخص الذي تنازل له لم يكن يتوفر على الحقوق التي يدعي تفويتها، أو لم يكن مخولاً قانوناً للتصرف فيها.
وتتوقف مآلات هذه النزاعات على الوضعية القانونية للعقار، وطبيعة الوثائق المتوفرة، ومدى ثبوت الحقوق المتنازع بشأنها، وهو ما يجعل التحقق المسبق من السندات أمراً أساسياً لتقليص احتمالات التعرض للمطالبات.
قد تتفاقم المخاطر عندما يبرم الشخص اتفاقات تنازل متعددة بشأن العقار ذاته، ويمنح وثائق لأكثر من مشترٍ مقابل مبالغ مالية مختلفة. وفي ظل غياب وضعية عقارية واضحة، قد يصعب على الأطراف التحقق من الحقوق المتعارضة قبل إتمام الصفقة.
وقد يجد المشترون أنفسهم في مواجهة نزاع حول أحقية كل طرف في الحيازة أو الاستغلال أو المطالبة بالعقار، دون أن تكون الوثيقة التي يتوفر عليها أحدهم كافية وحدها لحسم الخلاف.
لا تنتهي المشكلات المحتملة عند إتمام عملية الشراء، إذ قد يواجه المشتري صعوبات في تسوية الوضعية القانونية للعقار أو الحصول على ترخيص بالبناء، خاصة إذا كانت هناك إشكالات مرتبطة بالملكية أو بوثائق التعمير.
كما يمكن أن تعترضه عراقيل عند طلب تمويل بنكي بضمان العقار، بسبب ضرورة التحقق من الوضعية القانونية للضمانات المقدمة. وقد تمتد هذه الصعوبات إلى إعادة البيع، عندما يتعذر تقديم وثائق واضحة تثبت الحقوق التي يمكن نقلها إلى المشتري الجديد.
قد تظهر خلافات بعد وفاة الشخص الذي حرر وثيقة التنازل، خصوصاً إذا اعترض الورثة على الاتفاق أو شككوا في مضمونه وطبيعة الحقوق التي منحها مورثهم للمستفيد.
وفي بعض الحالات، قد يتمسك الورثة بأن الاتفاق لم يكن بيعاً للعقار، وإنما مجرد سماح باستغلاله أو الانتفاع به. وقد يؤدي هذا الخلاف إلى اللجوء للقضاء لتحديد طبيعة العلاقة القانونية بين الأطراف ومدى ثبوت الحقوق التي يستند إليها المشتري.
رغم المخاطر المرتبطة بهذا النوع من المعاملات، يظل الإقبال عليه قائماً لدى بعض الراغبين في اقتناء العقارات بأسعار أقل. غير أن انخفاض الثمن لا ينبغي أن يكون العامل الحاسم في اتخاذ القرار، إذ قد تتحول الصفقة إلى مصدر خسائر مالية إذا لم تكن الحقوق موضوعها ثابتة وواضحة.
ومن بين الإجراءات التي يمكن أن تساعد على تعزيز وسائل الإثبات، توثيق المعاملة بدقة، والاحتفاظ بالوثائق المرتبطة بها، والاستعانة بمختص قانوني قبل الالتزام المالي.
وفي هذا الإطار، قد يُلجأ إلى شهادة اللفيف العدلي لإثبات بعض الوقائع المرتبطة بالحيازة أو التصرف في العقار، وفقاً للشروط القانونية المعمول بها.
وتقوم هذه الشهادة، في صورتها المعروفة، على تصريحات اثني عشر شاهداً، غير أن حجيتها تظل مرتبطة بموضوعها وظروفها، ولا تعني وحدها ضمان انتقال ملكية العقار.
كما يُستحسن أن تتضمن وثيقة التنازل بيانات دقيقة بشأن هوية الطرفين، ووصف العقار وموقعه ومساحته، وطبيعة الحقوق المتنازل عنها، والثمن المتفق عليه، إلى جانب تاريخ الاتفاق وشروطه. ويمكن الاحتفاظ بنسخة من وثيقة هوية المتنازل، وتوثيق التوقيعات وفق الإجراءات المناسبة، مع التأكيد على أن هذه التدابير لا تعوض استيفاء الشروط القانونية اللازمة لنقل الملكية.
ومن الوسائل التي قد تساعد على إثبات بعض وقائع الحيازة أو الاستغلال الاحتفاظ بفواتير الماء والكهرباء والوثائق المتعلقة بأداء الرسوم المحلية المرتبطة بالعقار، عند الاقتضاء. غير أن هذه المستندات تثبت، بحسب الحالة، وقائع مثل الإقامة أو الاستعمال أو الأداء، ولا تكفي بمفردها لإثبات ملكية العقار.
تبدأ حماية المشتري قبل توقيع الاتفاق، من خلال البحث عن الوضعية القانونية والتعميرية للعقار لدى الجهات المختصة. ويشمل ذلك الاستفسار لدى المصالح المعنية بالجماعة أو المقاطعة بشأن مدى خضوع العقار لتصاميم أو قيود قد تحد من إمكانية البناء أو الاستغلال.
كما يُنصح بالتوجه إلى المحافظة العقارية المختصة للتحقق، بحسب المعطيات المتاحة، مما إذا كان العقار موضوع مطلب للتحفيظ أو توجد بشأنه بيانات وإجراءات يمكن الاطلاع عليها. وتساعد هذه الخطوات على تكوين صورة أوضح عن العقار قبل الالتزام بدفع المبلغ المتفق عليه.
ويظل الاستعانة بموثق أو عدل أو محامٍ متخصص في المجال العقاري من الخطوات المهمة لفحص الوثائق وتحديد طبيعة الحقوق المعروضة ومدى قابليتها للتفويت، فضلاً عن معرفة الإجراءات التي ينبغي استكمالها بحسب وضعية العقار.
وفي المحصلة، فإن اقتناء عقار عن طريق التنازل يتطلب حذراً أكبر من مجرد الاعتماد على وثيقة مكتوبة أو سعر منخفض.
فالتحقق من مصدر الحقوق وطبيعتها، وفحص الوضعية القانونية والتعميرية للعقار، واستكمال الإجراءات المطلوبة، عوامل أساسية لتقليص مخاطر النزاعات وحماية أموال المشتري وحقوقه على المدى الطويل.




