اقتصاد المغربالأخبار

سماسرة الأوهام.. كيف سقط شباب المغرب في فخ “الرهانات الرقمية” برعاية المؤثرين؟

لم يعد “القمار” في المغرب مجرد طاولة مخفية في زاوية ضيقة، بل تحول اليوم إلى “وباء اجتماعي” عابر للبيوت والطبقات، ينهش في صمت أحلام الجيل الصاعد وسط حالة من الجمود الرقابي المثير للريبة. هذا المنزلق الخطير لم يعد يهدد الجيوب فحسب، بل أضحى يفكك الخلايا الأسرية ويحدث ندوباً غائرة في الهوية المغربية، محولاً الشباب من طاقة منتجة إلى رهينة في يد “آلات الصدفة” الصماء.

وما زاد الطين بلة في السنوات الأخيرة، هو دخول “مؤثري” وسائل التواصل الاجتماعي على خط الأزمة؛ إذ تحول بعضهم إلى “سماسرة للأوهام” عبر منصات “تيك توك” و”إنستغرام”، حيث يروجون ببريق خادع لمنصات الرهان الرياضي والقمار الإلكتروني.

هؤلاء المؤثرون، ومن خلال استعراض “أرباح وهمية” وحياة باذخة مصطنعة، يغررون بآلاف القاصرين والشباب، مصورين القمار كأقصر طريق للثراء السريع والنجاح الاجتماعي، وهو ما يعمق فخ “وهم الاستحقاق” الذي يسقط فيه المدمن، ويمنح الشرعية لظاهرة كانت إلى وقت قريب منبوذة أخلاقياً.

وفي تشريح سوسيولوجي لهذه الآفة، يرى الباحثون أن “القمار” ليست مجرد رغبة في المال، بل هي “حالة اغتراب حادة” يحاول فيها الفرد سد فجوة التهميش عبر التشبث بـ “سراب الحظ”.

ويضيفون أن المدمن ينسحب تدريجياً من دائرة الفعل والعمل الجاد ليغرق في “انتظار عدمي”، مستبدلاً قيمة الكدح ببريق “الضربة” المستحيلة.

هذا الصراع مع الزمن يجعل المقامر “عبداً طوعياً” لادمان لا يرحم، مما يقطع صلته بالحاضر ويقذفه في دوامة من الشعور باللاجدوى، تنتهي به غالباً إلى ما يشبه “الانتحار الاجتماعي” بعد فقدان الكرامة وتآكل الروابط الأسرية التي يحل فيها الارتياب محل الثقة.

إن ما يحدث اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الرهان هو مقامرة بالهوية الشخصية قبل أن تكون مقامرة مالية؛ فالداء يبدأ ككرة ثلج صغيرة يغذيها تحريض المؤثرين وصمت المسؤولين، لتتحول سريعاً إلى جبل من المصائب يجرد الإنسان من معناه ويحوله إلى ريشة تذروها رياح الصدفة.

وفي نهاية المطاف، يكتشف الضحايا، بعد فوات الأوان، أنهم خسروا حقيقتهم ككائنات حرة تملك مصيرها، وتحولوا إلى مجرد أرقام في حسابات شركات لا تربح فيها إلا “الطاولة”، بينما يظل المجتمع يئن تحت وطأة ضحايا لا حصر لهم وآلام لا تداويها الأيام.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى