اقتصاد المغربالأخبار

سلوك المستهلك بالمغرب: 73% يفضلون الاستقلالية دون التفريط في التقاليد

يتجه المستهلك المغربي نحو تعزيز استقلاليته في اتخاذ القرارات اليومية والشرائية، دون التخلي عن القيم والتقاليد التي تشكل جزءاً من هويته الثقافية والاجتماعية، وفق نتائج دراسة «في عمق الدوافع» (Into the WHY) لسنة 2026، التي أنجزها معهد Insights House بشراكة مع وكالة COM&TALK، لرصد التحولات النفسية والسلوكية لدى المغاربة.

وأظهرت نتائج الدراسة أن الاستقلالية تحتل المرتبة الأولى ضمن القيم الأساسية لدى المستهلك المغربي، بنسبة بلغت 73 في المائة، متقدمة على حسن التعامل الذي سجل 70 في المائة، والقيم الإنسانية المشتركة التي وصلت إلى 65 في المائة.

وتعكس هذه النتائج تنامي أهمية حرية الاختيار والتعبير عن الذات في تشكيل توجهات الأفراد، بالتوازي مع استمرار حضور القيم الاجتماعية والثقافية في حياتهم.

وفي المقارنة الدولية التي شملت 49 دولة، بالاستناد إلى مقياس شوارتز للقيم، سجل المغرب مستويات أعلى من المتوسط الدولي في عدد من المؤشرات المرتبطة بالمرجعيات الجماعية، إذ تجاوز هذا المتوسط بـ17 نقطة في أهمية التقاليد، و16 نقطة في قيمة المكانة والسلطة، و13 نقطة في الامتثال للأعراف الاجتماعية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التحولات التي يعرفها سلوك المستهلك المغربي لا تعني بالضرورة الابتعاد عن الموروث الثقافي، بل تعكس محاولة للجمع بين الاستقلالية الفردية والارتباط بالمحيط الاجتماعي.

وتؤكد نتائج الدراسة استمرار التمسك بالهوية الثقافية المغربية، إذ يرى 98 في المائة من المستجوبين أن الحفاظ على القيم والتقاليد الوطنية أمر ضروري، فيما يعتبر 87 في المائة أن أنماط الحياة الحديثة لا تتعارض مع هذه المرجعيات.

وتبرز هذه الأرقام توجهاً نحو التوفيق بين الأصالة والتطور، بما يسمح للأفراد بتبني أساليب عيش جديدة وتوسيع خياراتهم الشخصية، مع الحفاظ على الروابط الثقافية والاجتماعية التي تشكل جزءاً من هويتهم.

وفي هذا السياق، أوضح أيناد بشير، المدير العام لمعهد Insights House، أن أبرز ما تكشفه الدراسة هو تعايش الرغبة المتزايدة في الاستقلالية مع استمرار الارتباط بالمجتمع، مشيراً إلى أن التعبير عن الهوية الفردية يظل متأثراً ببيئة تحتفظ فيها الأعراف الاجتماعية والمرجعيات الثقافية بمكانة مهمة.

وفي ما يتعلق بالعوامل المؤثرة في الاستهلاك، أفاد 66 في المائة من المشاركين بأنهم يأخذون آراء الأقارب والأصدقاء والمعارف بعين الاعتبار عند اتخاذ قرارات الشراء، غير أن نسبة الذين أبدوا اتفاقاً تاماً مع هذا التوجه لم تتجاوز 28 في المائة.

كما كشفت النتائج أن 37 في المائة فقط من المستجوبين يغيرون سلوكهم اليومي وفقاً لنظرة الآخرين إليهم، بينما أبدى 52 في المائة اهتماماً بمواكبة آخر الأخبار والمستجدات.

وفي المقابل، يرى 27 في المائة أن بعض مشترياتهم ومقتنياتهم قد تُستخدم لإبهار المحيطين بهم، في حين يعتقد 76 في المائة أن إظهار النجاح بصورة علنية قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية أو تكوين انطباعات غير مرغوب فيها.

وتكشف هذه المؤشرات عن علاقة مركبة بين الاستهلاك والرغبة في الاعتراف الاجتماعي، إذ لا يبدو أن تأثير الآخرين غائب عن اختيارات المغاربة، لكنه لا يشكل بالضرورة العامل الحاسم في سلوكهم، كما أن التعبير عن المكانة الاجتماعية لا يحظى دائماً بالتقدير الذي قد يتوقعه صاحبه.

من جهتها، شددت دنيا السقاط، المديرة الشريكة لوكالة COM&TALK، على أن المرجعيات الثقافية المغربية تظل مؤثرة في سلوك الأفراد، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى تصورات جامدة تحد من فهم التحولات التي يعرفها المجتمع.

واعتبرت أن مهنيي التواصل مطالبون بتطوير رسائل تعكس تطلعات الفرد المعاصر، مع الحفاظ على ارتباطها بالواقع الثقافي والاجتماعي المغربي.

وتتيح النتائج، بحسب الدراسة، فرصاً جديدة أمام العلامات التجارية لإعادة النظر في أساليب التواصل مع المستهلك المغربي، من خلال إبراز الاختيار الشخصي والطموح والإبداع والتعبير عن الذات، دون إغفال قيم الانتماء والتضامن والارتباط بالمجتمع.

كما تدعو إلى إعادة صياغة مفهوم المكانة الاجتماعية في الخطاب التسويقي، عبر التركيز على جودة المنتجات وتصميمها وابتكارها، فضلاً عن التجربة والخبرة والقيمة التي تقدمها للمستهلك، بدلاً من الاقتصار على المظاهر المادية أو الاستعراض العلني للنجاح.

وتؤكد الدراسة، في هذا الإطار، أهمية تجاوز الصور النمطية في الحملات الإعلانية، وعدم اختزال الثقافة المغربية في المشاهد العائلية والأدوار الاجتماعية التقليدية والصور المتكررة المرتبطة بالنجاح.

ويقتضي ذلك تطوير مضامين تواصلية أكثر تنوعاً، تستوعب التحولات التي يعرفها المجتمع وتجمع بين الخصوصية الثقافية وأشكال التعبير الحديثة.

ويمثل هذا الإصدار الجزء الأول من سلسلة تتضمن أربعة منشورات رئيسية مخصصة لدراسة «Into the WHY 2026»، على أن تتناول الإصدارات المقبلة جوانب أخرى من شخصية المستهلك المغربي وعلاقته بالعلامات التجارية، بما يشمل قياس وتقييم حضور 30 علامة تجارية تنشط في السوق الوطنية.

وشمل البحث أكثر من ألف مغربي ومغربية تفوق أعمارهم 18 سنة، ضمن عينة وصفها القائمون على الدراسة بأنها تمثيلية للساكنة المغربية البالغة. وأُنجز العمل الميداني عبر الهاتف خلال شهر يونيو 2026.

واستهدفت الدراسة تحليل منظومة القيم والتطلعات والسلوكيات الاستهلاكية، وفهم طبيعة العلاقة التي تربط المستهلك بالعلامات التجارية، بالاعتماد على أدوات مستخدمة دولياً في مجال علم النفس، من بينها مقياس شوارتز للقيم (PVQ)، ونموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية (BFI-10).

وبحسب المعطيات الواردة في البلاغ، يبلغ هامش الخطأ الأقصى للعينة زائد أو ناقص 3.1 نقاط مئوية، عند مستوى ثقة يصل إلى 95 في المائة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى