الاقتصادية

سباق عالمي لبناء محطات الشحن يعيد رسم مستقبل السيارات الكهربائية

لم تعد المنافسة في سوق السيارات الكهربائية تقتصر على تطوير البطاريات وخفض أسعار المركبات، بل أصبحت تمتد إلى توفير البنية التحتية اللازمة لشحنها، باعتبارها عاملاً حاسماً في إقناع المستهلكين بالانتقال من السيارات التقليدية إلى البدائل الكهربائية.

فإمكانية العثور على محطة شحن قريبة، وسرعة إعادة تعبئة البطارية، وتكلفة الكهرباء، كلها عناصر تؤثر في قرار الشراء بقدر أهمية سعر السيارة ومداها.

ومع توسع انتشار هذه المركبات عالمياً، تتسابق الحكومات والشركات على بناء شبكات شحن قادرة على مواكبة الطلب المتزايد، في وقت تكشف فيه التجارب الدولية عن تفاوت واضح بين الدول في مستوى جاهزية البنية التحتية. وبينما نجحت الصين في الجمع بين الإنتاج الضخم للسيارات الكهربائية وتوسيع شبكة شحنها، لا تزال أسواق أخرى تواجه تحديات مرتبطة بتوافر المحطات، خصوصاً في المدن المكتظة والمباني السكنية التي يصعب فيها تركيب شواحن خاصة.

تقدم الصين نموذجاً بارزاً في تطوير سوق السيارات الكهربائية، بفضل استراتيجية صناعية طويلة الأمد، واستثمارات واسعة في البنية التحتية، وتراجع تكاليف الإنتاج. وأسهمت هذه العوامل في تعزيز جاذبية المركبات الكهربائية، التي أصبحت أقل تكلفة من نظيراتها العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي في بعض المقارنات السوقية منذ عام 2024.

وبعدما لم تتجاوز حصة السيارات الكهربائية من مبيعات السيارات الجديدة في الصين 1% عام 2015، ارتفعت إلى 63% في أبريل 2026، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المقدمة. كما استحوذت البلاد على نحو 75% من الإنتاج العالمي للسيارات الكهربائية خلال العام السابق، عندما اقترب الإنتاج الإجمالي من 22 مليون سيارة، مسجلاً زيادة سنوية بلغت 25%.

ولم تقتصر الهيمنة الصينية على التصنيع، بل امتدت إلى البنية التحتية، إذ استحوذت البلاد على أكثر من 65% من نقاط الشحن العامة في العالم بنهاية عام 2025.

ويعكس هذا التوسع توجهاً يقوم على تطوير منظومة متكاملة تشمل تصنيع المركبات وتوفير الوسائل اللازمة لاستخدامها على نطاق واسع.

يمثل الشحن المنزلي أحد أبرز العوامل التي تعزز جاذبية السيارات الكهربائية، إذ يتيح للسائق توصيل مركبته بالكهرباء خلال الليل، لتكون جاهزة للاستخدام في اليوم التالي، دون الحاجة إلى التوقف المتكرر في محطات عامة.

وتجاوز عدد نقاط الشحن الخاصة بالمركبات الخفيفة عالمياً 43 مليون نقطة خلال عام 2025، لدعم أسطول يضم نحو 76 مليون مركبة كهربائية خفيفة. ويظل الشحن المنزلي الخيار المفضل لدى المستخدمين الذين تتوفر لهم إمكانية الاستفادة منه، إذ يمثل نحو 75% من عمليات الشحن وفق التقديرات الواردة في المعطيات.

وتبرز الميزة الاقتصادية لهذا الخيار في أوروبا والولايات المتحدة، حيث كانت تكلفة الشحن المنزلي خلال عام 2024 أقل بأكثر من 40% من تكلفة التزود بالوقود في المحطات.

وحتى مع احتساب ارتفاع تكلفة الشحن السريع العام، ظلت قيادة السيارات الكهربائية أقل تكلفة في المتوسط بنحو 15% من قيادة السيارات التقليدية، بحسب الأرقام المقدمة.

غير أن الاستفادة من هذه الميزة تختلف باختلاف طبيعة السكن. ففي النرويج، حيث يعيش 64% من السكان في منازل مستقلة أو شبه مستقلة، يستطيع نحو 90% من مالكي السيارات الكهربائية شحن مركباتهم في المنزل. أما في الصين، حيث لا تتجاوز نسبة السكان المقيمين في منازل مخصصة لعائلة واحدة 7%، فتفرض المباني السكنية المشتركة تحديات إضافية أمام تركيب الشواحن الخاصة.

ولمعالجة هذه العقبات، تتجه حكومات إلى تعديل قواعد البناء وتقديم حوافز مالية لتسهيل تجهيز المساكن بنقاط الشحن، بما يتيح لشريحة أوسع من السكان الاستفادة من السيارات الكهربائية دون الاعتماد الكامل على المحطات العامة.

عندما يتعذر الشحن المنزلي، تصبح الشبكة العامة عاملاً حاسماً في قرار اقتناء سيارة كهربائية، خصوصاً بالنسبة إلى سكان المدن والمجمعات السكنية، وكذلك السائقين الذين يقطعون مسافات طويلة.

وتشير البيانات الواردة عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن عدد نقاط الشحن العامة ارتفع من 1.3 مليون نقطة عام 2020 إلى نحو 7 ملايين نقطة بنهاية 2025، بعدما أضيفت حوالي 1.8 مليون نقطة جديدة خلال العام الماضي وحده، بزيادة بلغت 33%.

السنةعدد نقاط الشحن العامة عالمياً
20201.3 مليون
20211.8 مليون
20222.7 مليون
20234 ملايين
20245.4 مليون
20257 ملايين

لكن زيادة عدد المحطات لا تكفي وحدها لتقييم كفاءة الشبكة، إذ يتوقف الأمر أيضاً على عدد المركبات التي تتقاسم كل نقطة شحن، ومدى انتشار أجهزة الشحن السريع التي تقلص مدة الانتظار وتدعم الرحلات الطويلة.

وتبرز الفوارق بين الأسواق في هذا الجانب؛ فبحسب بيانات الربع الثالث من عام 2025، سجلت هولندا خمس مركبات كهربائية لكل شاحن عام، مقابل تسع مركبات في الصين، وعشر في إيطاليا، و11 في إسبانيا. وفي المقابل، ارتفع المعدل إلى 31 مركبة لكل شاحن في الولايات المتحدة.

وتعكس هذه الأرقام اختلافاً في طرق تطوير البنية التحتية. ففي هولندا، يرتبط تركيب عدد من الشواحن بطلبات المستخدمين، بما يساعد على توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تحتاج إليها.

أما الصين، فتتميز بانتشار أوسع للشواحن السريعة، التي تلائم الكثافة السكانية وتدعم التنقل بين المدن والمناطق.

وتظهر البيانات نفسها تفاوتاً في حصة الشواحن السريعة، التي بلغت 49% في الصين، مقابل 28% في الولايات المتحدة و25% في ألمانيا و20% في المملكة المتحدة.

وفي هولندا، لم تتجاوز هذه النسبة 3%، في ظل نموذج يعتمد بدرجة أكبر على نقاط الشحن العامة الأبطأ والأقرب إلى أماكن الإقامة والعمل.

في الولايات المتحدة، واجه سوق السيارات الكهربائية ضغوطاً بعد تراجع بعض أشكال الدعم الحكومي وتغييرات في السياسات المرتبطة بالتحول نحو المركبات الأقل انبعاثاً، ما دفع شركات صناعة السيارات إلى إعادة النظر في خططها الاستثمارية المتعلقة بالكهرباء.

ورغم هذه التطورات، اختارت شركات متخصصة في الشحن مواصلة توسيع شبكاتها، في رهان على استمرار الطلب من مالكي السيارات الكهربائية الحاليين وإمكانية عودة المبيعات إلى النمو مستقبلاً.

وبحسب بيانات شركة «بارين» المتخصصة في بيانات القطاع، أضافت الولايات المتحدة، بحلول أوائل أكتوبر 2026، قرابة ألفي محطة شحن تضم أكثر من 12 ألف نقطة.

ويستهدف هذا التوسع تسهيل التنقل لمسافات طويلة، وتحسين الخدمة المقدمة للمستخدمين الحاليين، إلى جانب الاستعداد لاحتمال ارتفاع الطلب على السيارات الكهربائية المستعملة والجديدة.

ويعكس هذا التوجه اختلافاً في الأفق الزمني بين سوق المركبات وشبكات الشحن؛ فبينما قد تتأثر مبيعات السيارات سريعاً بالتغيرات في الأسعار والحوافز والسياسات، تحتاج البنية التحتية إلى استثمارات طويلة الأجل، وقد تستمر في التوسع استعداداً لاحتياجات مستقبلية.

تتجه التوقعات إلى أن مستقبل السيارات الكهربائية سيظل مرتبطاً بتطور أسعار البطاريات وتكلفة المركبات، إلى جانب أسعار الوقود وتوافر محطات الشحن.

وترى وكالة الطاقة الدولية، وفق التقديرات الواردة في المعطيات، أن ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب المتعلقة بإيران، بالتزامن مع انخفاض تكاليف البطاريات، قد يدفع مبيعات السيارات الكهربائية إلى نحو 23 مليون سيارة خلال عام 2026، بما يعادل قرابة 30% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة عالمياً.

لكن تحقيق هذا النمو لا يتوقف على انخفاض الأسعار وحده، إذ يحتاج المستهلك إلى ضمان إمكانية شحن السيارة بسهولة وفي الوقت المناسب، سواء في المنزل أو في أماكن العمل أو عبر شبكة عامة موثوقة. كما أن اختلاف أنماط السكن والمسافات المقطوعة وكثافة المحطات يجعل متطلبات كل سوق مختلفة عن الأخرى.

وفي هذا السياق، يصبح تطوير البنية التحتية جزءاً أساسياً من استراتيجية التحول إلى النقل الكهربائي، وليس مجرد استثمار مكمل لقطاع السيارات.

فالشبكات الواسعة والسريعة يمكن أن تخفف مخاوف المستهلكين، بينما قد يؤدي ضعف التغطية إلى الحد من انتشار المركبات حتى في الأسواق التي تتوافر فيها خيارات متعددة بأسعار تنافسية.

تكشف التجارب الدولية أن نجاح التحول نحو السيارات الكهربائية لا يرتبط بقدرة الشركات على إنتاج مركبات أكثر تطوراً فحسب، بل بمدى قدرتها على توفير تجربة استخدام عملية وميسورة التكلفة.

فالبطاريات الأقل سعراً والسيارات الأرخص قد تشجع المستهلك على الشراء، لكن انتشار محطات الشحن وسرعتها وتوزيعها الجغرافي هي عوامل تحدد مدى سهولة الاعتماد على هذه المركبات في الحياة اليومية.

وبينما تواصل الصين تعزيز موقعها عبر الجمع بين الإنتاج والبنية التحتية، تسعى أسواق أخرى إلى سد الفجوات التي تعيق انتشار السيارات الكهربائية، من خلال توسيع الشبكات وتحفيز الشحن المنزلي والاستثمار في المحطات السريعة.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السباق العالمي محسوماً بعدد السيارات المنتجة وحده، بل بقدرة الدول على بناء منظومة شحن تلائم احتياجات المستخدمين وتمنحهم الثقة في الانتقال إلى الكهرباء.

فكلما أصبح الشحن أسهل وأسرع وأقل تكلفة، ازدادت فرص تحول السيارة الكهربائية من خيار بديل إلى وسيلة نقل يومية واسعة الانتشار.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى