الاقتصاديةالتكنولوجيا

زلزال الذكاء الاصطناعي يهز وول ستريت.. من محرك للصعود إلى مصدر قلق للأسواق

بعد سنوات من التحذيرات النظرية، تحوّل الذكاء الاصطناعي هذا الأسبوع إلى صدمة عملية في الأسواق الأميركية، بعدما فجّرت تطورات متسارعة في عالم البرمجيات موجة بيع واسعة في وول ستريت، كشفت هشاشة نماذج أعمال كانت تُعد حتى وقت قريب من أكثر القطاعات أمانًا وربحية.

فقد تعرّضت أسهم شركات البرمجيات لضغوط حادة، مع إدراك المستثمرين أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد تهديد مستقبلي، بل باتت قادرة فعليًا على إزاحة منتجات وخدمات قائمة. هذا التحوّل المفاجئ دفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر، ليس فقط داخل القطاع التقني، بل عبر السوق ككل، ما ساهم في دخول مؤشر S&P 500 المنطقة السلبية منذ بداية العام قبل أن ينجح في التقاط أنفاسه بارتداد محدود لاحقًا.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي كان المحرك الأبرز لارتفاع الأسهم إلى مستويات قياسية خلال الأعوام الماضية، فإن موجة الحماس بدأت تفقد زخمها منذ أكتوبر، مع تزايد التساؤلات حول كلفة هذه الثورة وجدواها الاقتصادية.

ولم يعد القلق محصورًا في احتمال تآكل نماذج أعمال تقليدية، بل امتد إلى حجم الإنفاق الهائل الذي تضخه الشركات الكبرى في هذا المجال.

وقد بلغت هذه المخاوف ذروتها بعد إعلان أمازون عن خطط إنفاق تصل إلى 200 مليار دولار هذا العام على الذكاء الاصطناعي واستثمارات استراتيجية أخرى، وهو رقم فاق توقعات الأسواق بهامش واسع، ودفع سهم الشركة إلى هبوط حاد.

وفي السياق ذاته، كشفت ألفابت عن نفقات محتملة تقارب 185 مليار دولار، بينما أشارت ميتا إلى أن إنفاقها الرأسمالي قد يبلغ 135 مليار دولار، مدفوعًا في الأساس بتوسيع قدراتها في الذكاء الاصطناعي.

لكن الشرارة المباشرة لموجة البيع الأخيرة جاءت من قلب وادي السيليكون، حيث أعلنت شركة ناشئة في سان فرانسيسكو عن إطلاق أدوات برمجية مجانية ومتقدمة قادرة على أتمتة وظائف مثل خدمة العملاء والخدمات القانونية.

ومع إتاحتها بصيغة «المصدر المفتوح»، بات بإمكان أي شركة استخدامها دون مقابل، ما شكّل تهديدًا مباشرًا لشركات تبيع حلولًا مماثلة بعقود اشتراك مدفوعة.

وتحوّل نموذج «البرمجيات كخدمة» (SaaS)، الذي طالما اعتُبر حجر الزاوية في الاقتصاد الرقمي الحديث، إلى أحد أبرز المتضررين. فالأدوات الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تهدد فقط إيرادات الاشتراكات، بل تطرح أيضًا تساؤلات أعمق حول الحاجة إلى جزء كبير من القوى العاملة التي يقوم عليها هذا النموذج.

ولم تمر هذه التطورات من دون أثر على أسعار الأسهم، إذ تكبّدت شركات تقدم خدمات قانونية وبحثية خسائر حادة خلال أيام قليلة، بينما واصلت أسهم عملاقة مثل Salesforce تراجعها على مدى أسابيع.

وحتى شركات الإبداع الرقمي، التي بدت في السابق مستفيدة من الطفرة التقنية، وجدت نفسها تحت الضغط، مع مخاوف من أن تصبح أدوات التصميم نفسها قابلة للأتمتة.

وامتد أثر الاضطراب إلى سلاسل الإمداد التقنية، حيث أدت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى طلب غير مسبوق على مكونات أساسية مثل الذاكرة العشوائية، ما رفع التكاليف وخلق حالة عدم يقين لدى شركات تصنيع الرقائق بشأن الطلب المستقبلي. كما انعكس ذلك على سوق الأجهزة الاستهلاكية، مع مخاوف من أن تؤدي الأسعار المرتفعة إلى إضعاف شهية المستهلكين.

وفي موازاة ذلك، بدأت تداعيات الذكاء الاصطناعي تطال قطاع الائتمان الخاص، الذي كان ينظر إلى شركات البرمجيات كوجهة مفضلة للإقراض بفضل تدفقاتها النقدية المستقرة.

غير أن طول آجال الديون وارتفاع مخاطر الإزاحة التكنولوجية أعادا فتح ملف المخاطر الكامنة في هذه القروض، وهو ما انعكس في أداء صناديق وشركات متخصصة في هذا المجال.

ولم تسلم الأصول الأكثر مضاربة من موجة إعادة التقييم، إذ تراجعت بيتكوين إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر قبل أن ترتد لاحقًا، في ظل تقليص المستثمرين لانكشافهم على الرهانات عالية المخاطر.

في المقابل، بدأ رأس المال يتحول تدريجيًا نحو قطاعات تقليدية طالها الإهمال خلال سنوات صعود التكنولوجيا، مثل الطاقة والسلع الاستهلاكية الأساسية والمواد، والتي سجلت مكاسب مزدوجة الرقم منذ بداية العام، في وقت لا يزال فيه قطاع التكنولوجيا يعاني.

ويعكس هذا التحول تغيرًا أعمق في ميزان القوى داخل الأسواق، فبعد سنوات من هيمنة شركات التكنولوجيا على قيادة المؤشرات، يبدو أن المستثمرين يعيدون اكتشاف قطاعات الاقتصاد الحقيقي، بحثًا عن استقرار أكبر في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق قدرة الأسواق على التكيّف السلس معه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى