رؤية 2027: كيف يعيد “رواد التكنولوجيا” صياغة وجه الاقتصاد العالمي؟

في عالم سريع التغير، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت المحرك الرئيسي لرفاه المجتمعات ودفع النمو الاقتصادي. من هنا، يأتي دور المنتدى الاقتصادي العالمي في وضع الابتكارات التكنولوجية على رأس الأولويات، سعياً لرسم ملامح المستقبل بشكل استباقي.
ومن هذا المنطلق، أطلق المنتدى عام 2000 مبادرة مجتمع روّاد التكنولوجيا، التي تضم شركات ناشئة ومتوسطة من جميع أنحاء العالم، تعمل على تصميم ونشر حلول تقنية من المتوقع أن تحدث تغييرات جوهرية في مجالات الأعمال والحياة اليومية.
تركز المبادرة على تمكين المبتكرين الشباب من خلال منصة عالمية تتيح لهم مواجهة التحديات الكبرى والمساهمة في صياغة مستقبل مستدام. كل عام، يختار المنتدى دفعة جديدة من «روّاد التكنولوجيا» لتكون جزءًا من مبادراته وفعالياته، ومشاركة رؤاهم حول التحولات المتوقعة في السنوات القادمة.
مع انتشار الإنترنت والمنصات الرقمية، يتوقع أن يصبح العمل الحر أو بنظام المهمات (Gig Work) النمط السائد، خاصة في الدول النامية حيث تشكل العمالة اليدوية والقوى العاملة منخفضة المهارات الأغلبية. توفر هذه المنصات فرص دخل متنوعة وبعوائق دخول منخفضة، مع دمج خدمات مالية مبتكرة تتيح الوصول إلى التمويل لشريحة واسعة من الأفراد.
وبفضل الذكاء الاصطناعي والمستشارين الرقميين، سيتمكن الأفراد من اختيار أفضل الفرص في العمل والتعليم والاستثمار، مما يعزز العدالة الاقتصادية والاستقرار المالي.
بحلول عام 2025، يتوقع خبراء مثل جاستن بانون من بروتوكول بوسون أن تُحدث تقنيات Web3 تحولًا جذريًا في التجارة يشبه التأثير الذي أحدثه Web2 في الوصول إلى المعلومات.
ستدرج الأصول المادية والرقمية في أسواق رقمية مفتوحة، مع تقليص دور الوسطاء عبر العقود الذكية ورمزية الأصول، ما يخلق منظومة تجارة أكثر انفتاحًا وعدالة في توزيع القيمة.
مع النمو الهائل للبيانات، ظهرت تحديات في الخصوصية والوصول والتكلفة. ومع دخول شركات ناشئة جديدة، ستصبح البيانات أكثر شمولًا وأقل تكلفة، مما يعيد التوازن بين الشركات والمستخدمين، وفق كريستين تشي، الرئيسة التنفيذية لشركة Databento.

بحلول 2027، سيصبح تركيز التكنولوجيا على الإنسان معيارًا أساسيًا. فالتجارب الرقمية الحالية ستنظر إليها الأجيال القادمة كما ننظر اليوم إلى انبعاثات الكربون، وسيعيد الميتافيرس صياغة العقود الاجتماعية الرقمية، حيث تصبح الثقة والأمان والعملات العاطفية جزءًا من الاقتصاد الافتراضي.
قطاع البناء مسؤول عن 40% من الانبعاثات الكربونية عالميًا. يشير براندون نغ من Ampd Energy إلى أن اعتماد البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة في مواقع البناء يمكن أن يقلل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 80%.
وبفضل الذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية، وتقنيات 5G و6G، ستصبح المباني أكثر تكيفًا مع راحة الإنسان وتقليل أثرها البيئي، بينما تمكّن الشبكات المرنة للطاقة من دمج المصادر المتجددة تدريجيًا والتقليل من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ستجعل الابتكارات في بدائل السكر والملح الغذاء الصحي متاحًا بأسعار معقولة، بينما ستحدث العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) ثورة في الشمول المالي.
وسيساعد الذكاء الاصطناعي شركات الغذاء على التنبؤ بالأزمات المناخية واللوجستية لتقليل الهدر وضمان وصول الغذاء للمناطق الأكثر احتياجًا. كما ستتيح التكنولوجيا التعليمية مسارات تعلم مخصصة للأطفال وربطهم بخبراء عالميين لتقليص الفجوات التعليمية.

ستصبح التكنولوجيا أداة عالمية لتكافؤ الفرص، حيث يمكن للمواهب الوصول إلى أفضل الفرص بغض النظر عن موقعها. وفي قطاع الأزياء، سيتيح التصنيع حسب الطلب تقليل الهدر وتسريع التسليم من أشهر إلى أيام، بينما يُحدث الإنترنت الكمي ثورة في الاتصالات والحوسبة الموزعة.
سيُستخدم الذكاء الاصطناعي لدعم قرارات الأطباء في عيادات الخصوبة، وتحسين معدلات النجاح وخفض التكاليف. كما سيمكن دمج الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار من مراقبة النظم البيئية بدقة، ودعم الحلول الطبيعية لمواجهة تغير المناخ.
تشير هذه الرؤى إلى أن السنوات القليلة المقبلة ستشهد تحولات جوهرية في أسلوب عملنا، تعلمنا، بنيتنا التحتية، إنتاجنا للطاقة والغذاء، وإدارة أموالنا. وإذا أُحسن توجيه هذه الابتكارات، فقد تصبح الأساس لعالم أكثر شمولية واستدامة وإنسانية بحلول عام 2027.



