الاقتصادية

خديعة الأرباح القصيرة.. كيف تعيد الشركات في القرن الحادي والعشرين تعريف النجاح؟

في عالم الأعمال الحديث، تتسارع الشركات نحو تعظيم الأرباح وتقليص التكاليف، ولكن ماذا لو كانت هذه المعايير نفسها التي اعتُبرت أساس النجاح والاستدامة خاطئة من البداية؟ هذا التساؤل يقود الاقتصادي البريطاني جون كاي في كتابه “الشركة في القرن الحادي والعشرين” إلى إعادة التفكير في الأسس التقليدية لإدارة الشركات ودورها في الاقتصاد والمجتمع.

كاي، المعتمد على دراسات رائدة في الاقتصاد المؤسسي مثل أعمال مارغريت بلير ولين ستاوت، يوجه نقده لعقيدة “تعظيم قيمة المساهمين” التي هيمنت على الفكر الإداري لأكثر من أربعة عقود.

ويؤكد أن التركيز على الأرباح قصيرة الأجل قد يحقق ثروة محدودة لفئة من التنفيذيين، لكنه يقود الشركات إلى ما يسميه “انتحاراً بطيئاً”، نتيجة تآكل قدراتها الجوهرية وفقدان الثقة بين الشركة والمجتمع.

يشير كاي إلى أن تعريف رأس المال لم يعد يتوافق مع طبيعة الاقتصاد الحديث. ففي القرنين التاسع عشر والعشرين، كان رأس المال المادي – المصانع، خطوط الإنتاج، السكك الحديدية – هو المحرك الرئيسي.

أما اليوم، فإن قوة الشركات تكمن في الموارد غير الملموسة: رأس المال البشري (المهارات والخبرة)، رأس المال الاجتماعي (الثقة والعلاقات)، رأس المال التنظيمي (ثقافة العمل وأساليب الإدارة)، ورأس المال الفكري (المعرفة والابتكار).

ويستشهد كاي بشركة أمازون كمثال حي: تعتمد على مستودعات ضخمة وشبكات توزيع، لكنها غالباً ما تستأجر هذه الأصول، فيما تكمن قوتها الحقيقية في التكنولوجيا والخبرة التنظيمية والخدمات اللوجستية.

هذا التحول أسهم في ما يسميه كاي “اقتصاداً تعددياً”، حيث لم تعد العلاقات الاقتصادية تختزل في صراع بين مالكي رأس المال والعمال.

ومع ذلك، يرى بعض النقاد أن رأس المال المادي لم يختفِ بل جرى نقله إلى دول مثل الصين والمكسيك وكوريا الجنوبية، ما جعل الصراع الطبقي يمتد إلى مستوى عالمي ويعكس اتساع فجوات الدخل والثروة.

يطرح كاي مفارقة لافتة: المستهلكون يعشقون منتجات الشركات الكبرى، لكنهم يرفضون الشركات نفسها بسبب سلوكياتها الجشعة وتأثيرها على المجتمع والديمقراطية.

ويُرجع ذلك إلى هيمنة التفكير المالي قصير الأجل، الذي بدأ في السبعينيات مع مقال ميلتون فريدمان واستمر خلال العقود التالية، ما أدى إلى آثار سلبية على الشركات والاقتصاد منذ مطلع الألفية.

ويستشهد بقائمة فورتشن 500، موضحاً أن من بين أكبر 500 شركة أمريكية عام 1955، لم يبقَ في القائمة عام 2025 سوى 49 شركة فقط، ومعظمها حافظ على استراتيجيات طويلة الأجل مثل تويوتا وبوش وبيركشاير هاثاواي، بينما شركات مثل بوينغ انهارت بعد تبنيها ثقافة مالية قصيرة الأجل.

يشير كاي إلى أن السعي وراء الأرباح قصيرة الأجل عزز ظاهرة “التمولُن”، أي تضخم الأسواق المالية على حساب الاقتصاد الحقيقي، ما أدى إلى فقاعات أصول ومخاطرات مفرطة، وحرمان الاقتصاد من موارد ومواهب حيوية.

يكسر كاي المفهوم التقليدي الذي يرى المساهمين كمالكين للشركة، مؤكداً أنهم يمتلكون أسهماً فقط وليسوا أصحاب الأصول أو السيطرة الفعلية.

ويطرح نموذج “أصحاب المصلحة”، حيث تُدار الشركات كمؤسسات اجتماعية تشمل موظفين ومديرين ومستثمرين وعملاء ومجتمعاً أوسع، ويقوم نجاحها على التعاون والثقة المشتركة، كما في نماذج جون لويس وإيكيا وباتاغونيا وموندراجون.

يقدّم كتاب “الشركة في القرن الحادي والعشرين” نقداً لاذعاً للتفكير المالي قصير الأجل، ويدعو إلى إعادة تعريف دور الشركات بوصفها مؤسسات ذات غاية، تقوم على الثقة والعمل الجماعي والالتزام طويل الأجل. إنه عمل جريء في الاقتصاد السياسي، وقد يصبح مرجعاً أساسياً لفهم مستقبل الأعمال في القرن الحادي والعشرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى