الاقتصادية

حين تتكدّس الأضواء في نقطة واحدة… كيف تعيد الطروحات العملاقة تشكيل سيولة الأسواق؟

في كل منظومة معقّدة، لا يحدث الاختلال دائمًا بسبب نقص الموارد، بل غالبًا نتيجة سوء توزيعها. هذا ما تشهده أسواق المال اليوم، حيث تتجمع السيولة والاهتمام في نقاط محددة، بينما تتراجع الحركة في بقية السوق بصمت.

مشهد لا تحكمه بالضرورة الكفاءة أو القيمة الحقيقية، بقدر ما تقوده الجاذبية الإعلامية وحجم الحدث.

هذا الواقع يعيد إلى الأذهان منطقًا سينمائيًا شهيرًا جسّده فيلم The Dark Knight، حين صوّر “الجوكر” كقوة لا تدمّر النظام مباشرة، بل تعيد توجيه تركيزه نحو مركز واحد، فتختلّ التوازنات من الأطراف. من الشاشة إلى البورصة، يبدو أن الآلية واحدة: عندما يصبح الانتباه موردًا نادرًا، تتحول السيطرة عليه إلى مفتاح التأثير.

في عالم الطروحات العامة الأولية، لم تعد جميع الاكتتابات متساوية في تأثيرها. فقد تحولت الطروحات العملاقة إلى ما يشبه “مغناطيس” يجذب السيولة والاهتمام معًا.

ورغم أن الاكتتابات تُعد تقليديًا مؤشرًا على حيوية السوق وثقة المستثمرين، فإن تضخم حجم بعض الطروحات أعاد طرح سؤال جوهري:

هل تعمّق هذه الاكتتابات السوق فعلًا، أم تفرغ ما حولها من السيولة؟

من الناحية النظرية، يتيح إدراج الشركات في البورصة جمع التمويل للنمو، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتحسين عمق السوق. غير أن الواقع، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد التوترات الجيوسياسية، يكشف عن صورة أقل مثالية.

خلال النصف الأول من عام 2025، شهدت الأسواق العالمية نحو 539 إدراجًا جمعت ما يقارب 61.4 مليار دولار، مع صعود ملحوظ لحصة الصين مقابل تراجع أوروبا. في المقابل، أظهرت بيانات بورصات لندن أن قيمة الاكتتابات في الأسواق الكبرى انخفضت إلى حوالي 44.3 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ تسع سنوات.

هذا التناقض يعكس واقعًا مزدوجًا: كثافة في عدد الطروحات، يقابلها حذر متزايد من المستثمرين، وتأجيل أو إلغاء خطط إدراج في أسواق رئيسية، ما يضغط على السيولة الإجمالية.

قوة الاكتتاب لا تُقاس فقط بحجم الأموال التي يجمعها، بل بقدرته على الصمود في السوق الثانوية. فالطروحات التي تتراجع أسعارها بقوة بعد الإدراج غالبًا ما تهزّ ثقة المستثمرين، وتدفع السيولة إلى الانسحاب ليس من السهم المعني فقط، بل من السوق الأوسع.

وقد شهدت بعض الأسواق حالات فقدت فيها أسهم حديثة الإدراج جزءًا كبيرًا من قيمتها في أولى جلسات التداول، رغم نشاط الشركات في قطاعات حيوية. ما يؤكد أن الأداء بعد الإدراج تحكمه توقعات السوق والسيولة المتاحة بقدر ما تحكمه الأساسيات.

بعد التباطؤ الذي فرضته جائحة كوفيد-19، عاد نشاط الطروحات عالميًا، وإن بوتيرة غير متجانسة. فقد برزت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كأحد أكثر الأقاليم نشاطًا، مع طروحات في قطاعات متعددة مثل العقار، والرعاية الصحية، والخدمات المالية.

وساهم هذا التنوع نسبيًا في جذب السيولة وتحسين عمق السوق، إلا أن التجربة أظهرت أيضًا أن بعض الأسهم الجديدة واجهت ضغوطًا بعد الإدراج، ما قلّص الأثر الإيجابي المتوقع.

في الولايات المتحدة، أعادت الطروحات الضخمة خلال 2025 إشعال شهية المستثمرين، خصوصًا تجاه الشركات المدعومة من صناديق الاستثمار الخاصة. وفي آسيا، شهدت بورصة هونغ كونغ زخمًا لافتًا لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حقق بعضها ارتفاعات قوية فور الإدراج.

لكن هذا الزخم، على الرغم من إيجابيته الظاهرة، يعمّق ظاهرة تركّز السيولة في عدد محدود من الأسهم ذات الضجيج الإعلامي العالي، على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تبقى خارج دائرة الضوء.

لا يقتصر تأثير الطروحات العامة على الأرقام، بل يمتد إلى سلوك المستثمرين وهيكل السوق. فعندما يتوزع الاهتمام على طروحات متعددة وقطاعات متنوعة، تتحسن التداولات ويصبح اكتشاف الأسعار أكثر كفاءة.

أما حين يتركز رأس المال في اكتتابات قليلة وضخمة، تظهر ظاهرة “السيولة المجزأة”، حيث تنشط التداولات في أسهم محددة فقط، بينما تخفت الحركة في بقية السوق.

كما في عالم الجوكر، لا يحتاج تركيز السيولة إلى السيطرة على كل شيء، بل يكفي أن تصبح الطروحات العملاقة مركز الجاذبية. عندها، تتحرك الأموال والقرارات وفق إيقاع واحد، بينما تتآكل الحيوية في الأطراف.

وعليه، فإن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت الطروحات تعمّق الأسواق أو تضيق السيولة لا تعتمد على حجمها وحده، بل على تنوعها، وهيكل السوق، وسلوك المستثمرين، والسياسات التنظيمية الداعمة للسوق الثانوية.

ومن دون هذا التوازن، قد تتحول الطروحات من محرك للنمو إلى عامل يفاقم اختلالات السوق بدل معالجتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى