اقتصاد المغربالأخبار

تقرير إسباني يرصد صعود المغرب كقوة إقليمية متعددة الأبعاد في شمال إفريقيا

يرسم تقرير استراتيجي إسباني صورة متقدمة للدور الذي بات المغرب يسعى إلى لعبه على المستويين الإقليمي والدولي، معتبراً أن المملكة تجاوزت خلال السنوات الأخيرة منطق التعامل الدفاعي مع محيطها إلى تبني رؤية أكثر اتساعاً تقوم على توسيع النفوذ وتعزيز الشراكات وتوظيف الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والجيوسياسية.

وجاء ذلك في تحليل صادر عن مركز الشؤون العالمية والدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة نافارا الإسبانية، أعده الباحثان بابلو إردوزاين ومانويل سيسما، حيث اعتبرا أن التحول المغربي يعكس مساراً متدرجاً لترسيخ المملكة كفاعل إقليمي مؤثر، مع استمرار الحاجة إلى الموازنة بين طموحاتها الاستراتيجية والقيود الداخلية والخارجية.

ويضع التقرير قضية الصحراء في صدارة محددات السياسة الخارجية المغربية، معتبراً أنها تشكل أحد العناصر الأساسية التي توجه أولويات المملكة وتحالفاتها الدولية وطريقة تعاملها مع التوازنات الإقليمية.

ويرى الباحثان أن الاتجاه الأكثر ترجيحاً خلال المدى القصير والمتوسط يتمثل في استمرار المغرب في تعزيز موقعه على المستويين الميداني والسياسي، بالتزامن مع اتساع دائرة المواقف الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي.

وفي المقابل، يشير التحليل إلى استمرار الإطار الأممي رسمياً، من خلال قرارات مجلس الأمن واستمرار عمل بعثة المينورسو، إلا أنه يعتبر أن الخيارات المطروحة ضمن هذا الإطار فقدت تدريجياً جزءاً من زخمها السياسي والعملي، بينما أصبح خيار الاستفتاء، بحسب التقرير، محدود الواقعية من الناحيتين السياسية والتنفيذية.

ويمتد التصور الاستراتيجي المغربي، وفق التقرير، إلى الواجهة الشمالية للمملكة وعلاقاتها مع إسبانيا، حيث لا يزال ملفا سبتة ومليلية حاضرين ضمن الحسابات السياسية للرباط.

ويعتبر الباحثان أن العلاقة المغربية الإسبانية تقوم بصورة متزايدة على الاعتماد المتبادل والتنسيق العملي، خصوصاً في ملفات الهجرة والتجارة وأمن الحدود، مع احتفاظ الرباط بأوراق تفاوضية تمكنها من الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.

ويشير التقرير إلى أن طبيعة المصالح المشتركة تدفع البلدين إلى الحفاظ على قنوات التعاون، حتى في ظل استمرار بعض الملفات الخلافية ذات الحساسية السياسية.

ولا يقتصر التحرك المغربي على المجالين البري والدبلوماسي، إذ يمنح التقرير أهمية متزايدة للواجهة الأطلسية، خصوصاً المناطق البحرية المقابلة للأقاليم الجنوبية وجزر الكناري.

ويعتبر التحليل أن المغرب يسعى إلى تحويل امتداده الجغرافي على المحيط الأطلسي إلى رافعة اقتصادية وجيوسياسية، من خلال تطوير البنية التحتية والموانئ وتعزيز الروابط التجارية، بما يسمح بمنح الأقاليم الجنوبية دوراً أكبر في المبادلات الإقليمية والقارية.

وعلى المستوى الأوروبي، يرى المركز الإسباني أن العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي تجمع بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية من جهة، والتجاذبات القانونية والسياسية من جهة أخرى.

ويتوقف التقرير عند قرار محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2024 بشأن الاتفاقيات التجارية، إضافة إلى عدد من القضايا التي أثارت توترات سياسية داخل المؤسسات الأوروبية.

ورغم ذلك، يستبعد التحليل حدوث قطيعة في العلاقات، مرجحاً استمرار التعاون بين الطرفين بفعل المصالح المشتركة، خصوصاً في مجالات الهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة والتحول الأخضر.

ويشير التقرير إلى أن المفوضية الأوروبية وعدداً من الدول الأعضاء يميلون إلى إعطاء الأولوية لهذه الملفات الاستراتيجية، وهو ما يجعل الشراكة مع الرباط قادرة على تجاوز جزء من الخلافات القانونية والسياسية.

ويبرز التقرير الحضور المغربي في إفريقيا باعتباره أحد أهم مظاهر التحول في السياسة الإقليمية للمملكة، خصوصاً منذ عودتها إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.

ومنذ ذلك الحين، توسعت أنشطة الشركات المغربية في عدد من الأسواق الإفريقية، وفي مقدمتها اتصالات المغرب ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط والقطاع البنكي، ما أدى إلى بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والروابط التجارية.

ويرى الباحثان أن هذا الانتشار لا يحمل أبعاداً اقتصادية وتنموية فقط، بل يوفر للمغرب أيضاً رصيداً دبلوماسياً يمكن توظيفه في الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، بما فيها قضية الصحراء.

ويعتبر التقرير أن العلاقات الاقتصادية التي تربط المغرب بعدد من الدول الإفريقية تجعل دعم مقترح الحكم الذاتي أكثر جاذبية لبعض العواصم، بالنظر إلى المصالح الاقتصادية والاستثمارية المشتركة.

كما يولي التحليل أهمية خاصة للمبادرة الأطلسية المغربية الرامية إلى منح الدول الإفريقية غير المطلة على البحر منفذاً إلى المحيط الأطلسي عبر الأراضي المغربية.

ويعتبر التقرير أن هذه المبادرة تمثل إحدى الأدوات التي يسعى المغرب من خلالها إلى إعادة تشكيل موقعه الجيوسياسي في القارة، عبر ربط دول الساحل بالموانئ والبنية التحتية الأطلسية للمملكة.

وفي هذا السياق، تكتسب مدينة الداخلة أهمية تتجاوز بعدها الترابي والسيادي، لتتحول، وفق رؤية التقرير، إلى نقطة استراتيجية محتملة ضمن شبكات التجارة والنقل التي تربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.

ويشير التحليل إلى أن هذا المسار يمكن أن يمنح المغرب دوراً أكبر في الربط الاقتصادي بين شمال وغرب إفريقيا ودول الساحل، مع فتح المجال أمام مشاريع لوجستية وتجارية جديدة.

وفي المقابل، يحذر التقرير من أن التوسع المغربي داخل إفريقيا، ولا سيما باتجاه منطقة الساحل، لن يكون خالياً من المخاطر.

فالمنطقة تواجه تحديات أمنية متزايدة، إلى جانب تغير التحالفات السياسية وظهور تهديدات عابرة للحدود، ما يفرض على المغرب موازنة طموحه الاقتصادي والدبلوماسي مع تعقيدات البيئة الأمنية المحيطة.

ويخلص التحليل الإسباني إلى أن المغرب بات يتحرك وفق استراتيجية إقليمية متعددة الأدوات، تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن والبنية التحتية والانفتاح الإفريقي، في محاولة لترسيخ موقع المملكة كقوة إقليمية قادرة على التأثير في محيطها المباشر وعلى امتداد القارة.

ويظل نجاح هذا التوجه، بحسب التقرير، مرتبطاً بقدرة المغرب على مواصلة توسيع شراكاته مع الحفاظ على التوازن بين طموحاته الجيوسياسية والتحديات الأمنية والاقتصادية والقانونية التي تحيط بتحركاته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى