تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة جديدة

مع تدهور الوضع العسكري في الشرق الأوسط، تواجه الأسواق العالمية مفاجآت جديدة قد تعيد تشكيل توقعات الاقتصاد الأمريكي، بعد أن كانت بداية العام مبشرة بإمكانية خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. اليوم، تتزايد المخاوف من أن يضطر البنك المركزي إلى التمسك بالسياسة النقدية الحالية لفترة أطول، في ظل ارتفاع أسعار النفط ومخاطر تضخمية متجددة.
لم يمض أكثر من أربع سنوات على الأزمة الروسية الأوكرانية، التي أدت إلى موجة تضخمية عالمية دفعت الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة. واليوم، تتكرر الأحداث، لكن هذه المرة باتت طهران في قلب الأزمة بدل موسكو، ما يعيد المخاطر التضخمية إلى الواجهة.
قفزت أسعار خام “برنت” إلى مستويات قريبة من 120 دولاراً للبرميل بعد تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. ومع استمرار الصراع وعدم وضوح آفاق الحل، تخشى الأسواق أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى موجة تضخمية جديدة، مشابهة لما شهدته الولايات المتحدة عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
تفاعلت الأسواق بسرعة مع المخاوف الجديدة، إذ شهدت الأسهم العالمية موجة بيع حادة أفرغت تريليونات الدولارات من القيمة السوقية، بينما ارتفعت عوائد السندات الحكومية على خلفية توقعات بعودة الضغوط التضخمية.

يعد النفط أحد أسرع القنوات التي تنتقل عبرها الضغوط التضخمية، إذ يؤدي ارتفاع أسعاره إلى زيادة تكاليف النقل والطاقة والإنتاج، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات. ومن المتوقع أن يواجه الاقتصاد الأمريكي قريبًا موجة تضخمية جديدة مرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
يتوقع “رويال بنك أوف كندا” أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة إلى 3.7% خلال الربع الثاني من 2026، إذا بقيت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، مقارنة بمعدل 2.4% في مطلع العام الجاري.
أكبر مخاوف المستثمرين هو الركود التضخمي، أي ارتفاع التضخم مع تباطؤ النمو الاقتصادي. ففي الوقت الذي يضغط فيه صعود النفط على الأسعار، تظهر مؤشرات على تباطؤ سوق العمل الأمريكي، ما يزيد من صعوبة مهمة الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على التضخم دون الإضرار بالنمو.
قبل اندلاع الأزمة، كان البنك المركزي يتبنى موقفًا حذرًا، مع توقع الأسواق خفض الفائدة بمقدار 59 نقطة أساس خلال 2026. لكن اليوم، انخفضت التوقعات إلى خفض 42 نقطة، ما يعني أن الفيدرالي قد يبقي على أسعار الفائدة الحالية لفترة أطول للحفاظ على استقرار الاقتصاد.
رغم أن السيناريو الأساسي لا يزال بين التثبيت أو الخفض التدريجي للفائدة، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يعيد النقاش حول تشديد السياسة النقدية. وإذا تفاقمت الضغوط التضخمية، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة مجددًا لضبط الأسواق.
يبقى مسار السياسة النقدية الأمريكية مرتبطًا بتطورات الصراع في الشرق الأوسط. إذا هدأت الأوضاع وانخفضت أسعار النفط، قد يستأنف الفيدرالي خفض الفائدة تدريجيًا لدعم سوق العمل، أما إذا استمرت الضغوط التضخمية، فقد يجد نفسه مضطرًا للإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى إعادة فتح الباب للتشديد النقدي.




