ترامب والمركنتيلية الجديدة: هل تقود الرسوم الجمركية أمريكا إلى الازدهار أم العزلة؟

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما أسماه “الاستقلال الاقتصادي” عبر فرض موجة من الرسوم الجمركية على العديد من الدول.
لكن خلف هذه الإجراءات، يبرز تساؤل جوهري: لماذا يصر ترامب على اعتبار الرسوم الجمركية أداة فعالة لإصلاح الخلل التجاري؟ وهل ما يتبناه هو مجرد نسخة حديثة من الفكر المركنتيلي الذي ساد قبل قرون؟
استندت سياسات ترامب الاقتصادية إلى شعار “أمريكا أولاً”، وهو توجه يحاكي الفكر المركنتيلي الكلاسيكي الذي يعتبر التجارة الدولية لعبة محصلتها صفر، حيث ما تكسبه دولة ما تخسره دولة أخرى.
ومن هذا المنطلق، تبنى ترامب سياسات تستهدف تعظيم الصادرات وتقليص الواردات، مع تعزيز الحماية للصناعات الوطنية.
المركنتيلية هي نظرية اقتصادية ظهرت في أوروبا ما بين القرن السادس عشر والثامن عشر، وتقوم على مبدأ أن الثروة العالمية ثابتة، وأن على الدول السعي لتجميع أكبر قدر ممكن منها عبر تحقيق فائض تجاري دائم.
وضمن هذا النموذج، تتدخل الدولة بشكل مباشر لتقليص الواردات وتشجيع التصدير، وذلك عبر فرض قيود ورسوم جمركية.
النسخة المعاصرة من هذا الفكر، أو ما يُعرف بـ”المركنتيلية الجديدة”، تعتمد على أدوات أكثر مرونة وحداثة، مثل الرسوم الاستراتيجية، والدعم الحكومي الموجه للصناعات التكنولوجية والقطاعات الحيوية، ما يمنح الدول نفوذاً أكبر في الأسواق العالمية.
غير أن هذا النموذج يتعارض مع مبادئ التجارة الحرة، ويقلل من فوائد التخصص الدولي الذي تقوم عليه نظرية الميزة النسبية لعالم الاقتصاد “ديفيد ريكاردو”.
مقارنة بين الفكر المركنتيلي والليبرالية الاقتصادية |
||
العنصر |
الفكر المركنتيلي |
الليبرالية الاقتصادية |
مفهوم الثروة |
تراكم الذهب والفضة |
تنمية الإنتاج والنمو الشامل |
التجارة الخارجية |
تفضيل الصادرات وتقييد الواردات |
فتح الأسواق وتشجيع التجارة الحرة |
دور الدولة في الاقتصاد |
تدخل مباشر لتنظيم الاقتصاد |
دور محدود – تنظيم الأسواق فقط |
أدوات السياسة الاقتصادية |
الرسوم الجمركية/الحصص/الدعم الحكومي |
تخفيض الحواجز التجارية/الخصخصة |
العلاقات الاقتصادية الدولية |
تنافسية وتصارع “لعبة صفرية“ |
تكامل وتعاون “لعبة رابحة للطرفين“ |
الأثر على المستهلك |
أسعار أعلى بسبب الحمائية |
أسعار أقل بسبب المنافسة والعرض المفتوح |
أمثلة حديثة |
سياسات ترامب، الصين في بعض الجوانب |
الاتحاد الأوروبي، اتفاقيات التجارة الحرة. |
رغم أن التجارة الدولية توسع حجم الاقتصاد العالمي وتمنح الدول القدرة على التركيز في المجالات التي تتمتع فيها بكفاءة نسبية، يرى ترامب أن الواردات تضر بالاقتصاد الوطني، وأن الصادرات وحدها تمثل مؤشراً للنجاح.
وقد تسارعت هذه النظرة في ظل صعود الصين كمنافس اقتصادي وجيوسياسي قوي، ما زاد من القلق الأمريكي تجاه الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية.
يرى خبراء، من بينهم جيمس فيجينباوم، المستشار السابق للاحتياطي الفيدرالي، أن سياسات ترامب تذكر بالنظرة القديمة للثروة ككتلة محدودة من الذهب والمعادن النفيسة.
لكن هذه الرؤية تغيرت منذ صدور كتاب “ثروة الأمم” عام 1776 لعالم الاقتصاد آدم سميث، الذي أسس لمفهوم جديد يعتبر أن الثروة الحقيقية تُقاس بالناتج المحلي الإجمالي وليس بما تملكه الدولة من ذهب أو فضة.
في حين قد تبدو سياسات ترامب متناغمة مع بعض مبادئ الفكر المركنتيلي، إلا أنها تتجاهل التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي. فالرسوم الجمركية لا تعني بالضرورة حماية الاقتصاد الوطني، بل قد تؤدي إلى تباطؤ النمو، وخلخلة سلاسل التوريد، وزيادة عدم اليقين في الأسواق.
وبينما يسعى ترامب لإعادة صياغة النظام التجاري العالمي وفق رؤيته، يظل السؤال مفتوحًا: هل يعود العالم فعلاً إلى زمن التجارة الصفرية، أم أن العولمة ما زالت تفرض منطقها؟