الاقتصاديةالعملات الرقمية

بانكمان-فرايد.. صعود إمبراطورية وهمية وسقوط مليارات في عالم العملات المشفرة

لم يكن “صامويل بانكمان-فرايد” مجرد شاب عادي من خريجي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ بل كان العقل المدبر وراء واحدة من أكبر الخدع المالية في تاريخ العملات الرقمية.

بينما كان الكثيرون يرون فيه مجرد شاب يحب الألعاب الإلكترونية، كان في الواقع ينسج شبكة معقدة من الأكاذيب المالية والتلاعب بمليارات الدولارات.

من خلال تأسيس صندوق التحوط “ألاميدا ريسيرش” وإطلاق منصة التداول الشهيرة “إف تي إكس”، روج بانكمان-فرايد للمنصة على أنها الأكثر أمانًا وموثوقية، مزينًا بذلك صورته بنظام إدارة مخاطر متقدم.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فقد افتقرت الشركة لأي مجلس إدارة مستقل، ولم تكن هناك ضوابط مالية حقيقية، ولم يدرج أي مدير مالي ضمن فريقها، ما جعل الأموال المودعة من المستثمرين عرضة للاختلاس والاستخدام الشخصي دون رقيب.

في يناير 2022، بلغت قيمة “إف تي إكس” السوقية نحو 30 مليار دولار، قبل أن تتهاوى فجأة إلى حافة الإفلاس في غضون أشهر قليلة.

كيف استطاع هذا الشاب خداع العالم؟

الاتهامات

التوضيح

التعرض لأصول مبالغ في تقييمها وغير سائلة

يعود انهيار “إف تي إكس” – التي نقلت مقرها من هونج كونج إلى جزر البهاما في 2021 – جزئيًا إلى علاقتها بـ “ألاميدا ريسيرش”.

بدأت المخاوف تتصاعد عندما نشرت “كوين ديسك” تقريرًا – في نوفمبر2022-  أشار إلى أن جزءاً كبيراً من أصول “ألاميدا” كانت متركزة في العملة الافتراضية “إف تي تي” التي ابتكرتها “إف تي إكس”، وتستخدم للحصول على خصومات في رسوم التداول.

ونظرًا لأن هذه العملة لا يمكن تحويلها إلى كاش بسهولة، أثار التقرير شكوكًا واسعة حول الاحتياطات الرأسمالية لدى كل من “ألاميدا” و”إف تي إكس”.

 في خضم هذه الشكوك، أعلن “تشانغبينج تشاو” المدير التنفيذي لمنصة الكريبتو المنافسة “بينانس” عزمه بيع كامل حيازة شركته من الـ “إف تي تي” بما يعادل 580 مليون دولار.

إخفاء الحقيقة

وخلال يومين فقطـ، هبط سعر العملة حوالي 80%، وسحب العملاء أكثر من 6 مليارات دولار من الودائع خلال 72 ساعة، وبينما حاول “بانكمان-فرايد” طمأنة العملاء بأن الأصول في أمان، ولا يتم استثمارها، كان يحاول البحث عن تمويل طارئ لتغطية عجز بلغ 8 مليارات دولار.

في خطوة أثارت موجة بيعية واسعة النطاق، ما شكل ضغطًا هائلاً على المنصة لذا قررت إيقاف كافة سحوبات العملاء في الثامن من نوفمبر، وتوصلت إلى اتفاق لبيع أعمالها إلى “بينانس”.

لكن في غضون 24 ساعة، تراجع “تشاو” عن الصفقة موضحًا أن مشاكل “إف تي إكس” أكبر من قدرة شركته على المعالجة، وتوالت الضربات، بعدما جمدت هيئة تنظيمية مالية في جزر البهاما أصول “إف تي إكس”، إثر اكتشاف سوء إدارة أموال عملاء البورصة.

ائتمان بلا حدود

كشفت التحقيقات أن “بانكمان –فرايد” أخفى المعاملة الخاصة التي منحت لشركة “ألاميدا” تضمنت خط ائتمان غير محدود تقريبًا ممولاً من عملاء المنصة، وإعفائها من بعض تدابير إدارة المخاطر.

استخدام أموال العملاء

وخلال محاكمة “بانكمان-فرايد”، أفاد خبير محاسبة بأن 11.3 مليار دولار من أموال العملاء كان من المفترض أن تودع لدى “ألاميدا” إلا أنه لم يتم العثور سوى على 2.3 مليار دولار فحسب، بينما وجه المبلغ المتبقي نحو استثمارات، وتبرعات سياسية ومؤسسات خيرية، وعقارات، دون توافر سجلات تقريبًا لتلك المعاملات.

حتى أن “وول ستريت جورنال” ذكرت في تقرير لها أن “إف تي إكس” أقرضت ودائع عملائها لشركة “ألاميدا” لمساعدتها على سداد التزاماتها، وأن كبار المسؤولين التنفيذيين كانوا على علم بذلك.

اليوم، يقضي بانكمان-فرايد عقوبة السجن لمدة 25 عامًا بعد إدانته بسوء الإدارة واختلاس أموال العملاء، فيما أصبح انهيار المنصة أكبر عملية احتيال في تاريخ العملات الرقمية، مع آثار مستمرة على السوق بأكمله.

خلص القاضي الأمريكي “لويس كابلان” إلى أن العملاء فقدوا نحو 8 مليارات دولار، بينما تكبد مستثمرو أسهم “إف تي إكس” 1.7 مليار دولار، وفقد مقرضو “ألاميدا” 1.3 مليار دولار. هبط صافي ثروته من 26.5 مليار دولار إلى حوالي 100 ألف دولار عند اعتقاله، ووجهت له ثماني تهم جنائية.

ليست هذه مجرد قصة انهيار سوق متقلب؛ بل هي نتيجة احتيال متقن. ووصف “جاري غينسلر”، رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية آنذاك، ما فعله بانكمان-فرايد بأنه بناء “صرح هش على أساس الخداع”، حيث موه المستثمرين بأن “إف تي إكس” أحد أكثر الكيانات أمانًا في عالم العملات المشفرة، بينما كانت الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى