انهيار براميل النفط: كيف أعاد 2020 تشكيل صناعة الطاقة العالمية

في ربيع 2020، شهدت أسواق النفط العالمية حدثًا تاريخيًا لم يسبق له مثيل: أسعار خام “نايمكس” هوت إلى مستويات سلبية لأول مرة في التاريخ، لتسجل -37.63 دولار للبرميل.
لم تكن مجرد أزمة عرض وطلب عابرة، بل كانت صدمة قلبت مفاهيم المستثمرين حول قيمة النفط، وجعلت المخزون الخام يبدو كعبء ثقيل يثقل كاهل الشركات المنتجة.
خزانات التخزين في “كوشينج” امتلأت حتى آخر قطرة، واضطر المتداولون لدفع مبالغ باهظة للتخلص من التزامات التسليم، تاركين آثارًا نفسية عميقة على مديري الصناديق الاستثمارية.
من رحم هذه الأزمة، ولدت فلسفة جديدة تُعرف بـ “الانضباط الرأسمالي”، حيث أصبح إدارة رأس المال أهم من ضخ الإنتاج، وفرضت الأسواق أداة محاسبية صارمة تُدعى RoACE تتحكم اليوم في قرارات الشركات الكبرى، لكنها قد تمهد لأزمة طاقة مستقبلية.

الأزمة أعادت صياغة استراتيجيات شركات النفط الأمريكية والأوروبية. قبلها، كان النمو العضوي والاستكشاف هما المحركان الرئيسيان، لكن انهيار رؤوس الأموال حوّل التركيز إلى العوائد السريعة للمستثمرين الأكثر خوفًا، الذين يطالبون بتعويضات فورية عن المخاطر الجيوسياسية.
النتيجة: خفض الإنفاق الرأسمالي (Capex) أصبح أولوية قصوى، حتى مع تجاوز أسعار النفط 80 دولارًا، لتعكس صورة الانضباط أمام المحللين والمساهمين.
مؤشر RoACE يقيس كفاءة الشركة في توليد الأرباح من رأس المال المستخدم، لكنه يحمل فخًا خفيًا: المشاريع الجديدة المكلفة تقلل المؤشر في السنوات الأولى، بينما تبدو الحقول القديمة مبهرة محاسبيًا.
هذا دفع الشركات لتفضيل استغلال الأصول الحالية على استكشاف حقول جديدة، ما يعزز الأداء قصير المدى على حساب مستقبل طويل الأمد.
النفط مقابل النقد: مقارنة بين أرباح بعض الشركات في عام 2025 | |||
الشركة | صافي الدخل (مليار دولار) | العائد على رأس المال المستثمر | التوزيعات وإعادة الشراء (مليار دولار) |
إكسون موبيل | 28.8 | 9.3 % | 37.2 (17 توزيعات + 20 إعادة شراء) |
شيفرون | 12.3 | 6.6 % | 27.1 (12.8 توزيعات + 12.1 إعادة شراء + 2.2 هيس) |
شل | 17.8 | 9.4 % | 22 (8.5 توزيعات + 13.9 إعادة شراء) (52% من التدفقات النقدية التشغيلية) |
طريقة الحساب تعتمد على تقسيم أرباح الشركة بعد الضرائب، قبل تكاليف التمويل، على متوسط رأس المال المستخدم، ما يعكس كفاءة العمليات التشغيلية بعيدًا عن طريقة التمويل (ديون أم أسهم).
شركات مثل “إكسون” و”شيفرون” فضّلت الاستحواذ على أصول مجربة بدلاً من المخاطرة في الاستكشاف. فاستحوذت “موبيل” على “بايونير”، و”شيفرون” على “هيس”، لرفع الكفاءة وخفض التكاليف.
نتيجة هذه الاستراتيجية: عوائد استثنائية للمساهمين، إذ حققت “موبيل” 74.3% خلال خمس سنوات، متفوقة على مؤشر “S&P 500” لقطاع الطاقة، بينما بقي الاستثمار في الاستكشاف محدودًا رغم ضخ 150 مليار دولار في السنوات الثلاث الأخيرة.
على الجانب الآخر، واجهت شركات أوروبية مثل “شل” و”بي بي” تحديات مزدوجة، بين الضغوط البيئية ومحاولة الحفاظ على العوائد المالية. مشاريع الطاقة الخضراء لم توفر عوائد مماثلة للنفط، ما دفع “شل” للعودة للتركيز على الهيدروكربون لتجنب فقدان القيمة السوقية.
منتدى الطاقة الدولي حذر من ضرورة رفع الاستثمارات السنوية في الاستخراج والإنتاج إلى 738 مليار دولار بحلول 2030 لتلبية الطلب العالمي. الفجوة الحالية ناجمة عن الانضباط الرأسمالي، الذي يحد من الاستثمارات الجديدة ويترك جزءًا كبيرًا من الطلب المستقبلي غير مضمون.
المساهمون تحوّلوا من دور “الممول الصبور” إلى “المستثمر الجشع”، يأخذون حصتهم من الأرباح ويضغطون على الإدارات لتجنب أي إنفاق قد يخفض سعر السهم، ما يخلق فجوة بين حسابات الأسواق وواقع الموارد الجيولوجية.
مع هذا التوجه، يتحول النفط إلى “أداة مالية” أكثر من كونه موردًا طبيعيًا. الشركات قد تظل تولد أرباحًا قصيرة المدى، لكنها تعاني من نقص الاستثمارات الاستكشافية، ما قد يترك العالم أمام فاتورة باهظة في المستقبل.
عصر “النمو الجامح” قد ولى، وحلّ مكانه نموذج “الربحية المنضبطة”، مع إعادة تخصيص رأس المال نحو المشاريع الأعلى عائدًا والأقل مخاطرة. لكن مهما بلغت دقة الحسابات المحاسبية، لا يمكنها استخراج قطرة نفط واحدة من بئر جفّت بسبب البخل الاستثماري.




