الهروب إلى الديون: كيف أطاحت تكاليف المعيشة بثقافة الادخار بالمغرب؟

في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار “الدولة الاجتماعية”، تكشف لغة الأرقام الصارمة عن سيناريو مغاير تماماً تعيشه البيوت المغربية خلف الأبواب المغلقة؛ حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن بنك المغرب عن قفزة “مرعبة” في منسوب الاستدانة، بعد أن اخترق إجمالي القروض البنكية سقف 1.19 تريليون درهم بحلول نهاية نونبر 2025.
هذا الارتفاع السنوي الذي استقر عند 6.2%، لم يعد مجرد إحصائية في سجلات المصارف، بل أضحى مرآة تعكس انكسار القدرة الشرائية وتحول “الكريدي” من خيار تكميلي إلى طوق نجاة وحيد لمواجهة تكاليف الحياة، خاصة مع نمو القروض الاستهلاكية بنسبة 4.6%.
ويعزو مراقبون هذا التوجه إلى الفجوة العميقة بين الأجور المجمدة ولهيب الأسعار، حيث لم يعد المغاربة يقترضون من أجل الرفاهية، بل لتأمين أساسيات الحياة من تعليم وصحة وسكن، مما حول الدين إلى “راتب إضافي” وهمي يغطي العجز اليومي ويضع الأسر في دوامة من التبعية البنكية التي لا تنتهي.
هذا الواقع المأزوم لم يبقَ حبيس التقارير التقنية، بل فجر نقاشاً حاداً داخل المؤسسة التشريعية، حيث وجهت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء باتا نقدًا لاذعًا للتوجهات الحكومية في سؤال كتابي وضع “الدولة الاجتماعية” تحت المجهر.
وتساءلت النائبة عن مدى واقعية الشعارات الرسمية في ظل ارتماء المواطنين في أحضان القروض لتغطية احتياجاتهم الأساسية، محذرة من تحول المؤسسات البنكية إلى “بديل مشوه” للسياسات الاجتماعية العمومية، ومطالبة بتفسير واضح لجمود الرواتب في مقابل التوسع المفرط في التسهيلات البنكية التي تحمل الأسر كلفة التوازنات الماكرو-اقتصادية على حساب استقرارها المالي والاجتماعي.
وفي مفارقة اقتصادية تزيد المشهد تعقيداً، سجلت مطلع سنة 2026 ضربة جديدة لثقافة “التوفير”؛ إذ انخفض العائد على حسابات الادخار إلى مستويات متدنية بلغت 1.61%، مما جعل من فعل الادخار خطوة غير مجدية اقتصادياً تلتهمها معدلات التضخم.
هذا الوضع دفع المواطنين قسراً نحو نموذج الاستهلاك الممول بالدين بدلاً من الاستثمار المنتج، وهو ما يفسر تراجع الإقبال على قروض السكن رغم الانخفاض النسبي في أسعار الفائدة، حيث بات الحذر سيد الموقف وسط مخاوف من تحول هذه المديونية المليارية إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي ما لم تتدخل الحكومة بإجراءات ملموسة لرفع الأجور وضبط الأسعار قبل فوات الأوان.




