الهدنة الأمريكية–الإيرانية تربك الأسواق.. من تسعير الحرب إلى رهان خفض الفائدة

في لحظة كانت فيها الأسواق العالمية تستعد لسيناريوهات تصعيد عسكري واسع بين الولايات المتحدة وإيران، مع اقتراب انتهاء المهلة التي أعلنها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، جاءت الهدنة المفاجئة لتقلب الحسابات رأساً على عقب، وتدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير سريعة لتوقعات التضخم والسياسة النقدية عبر العالم.
الهدنة المؤقتة، التي تضمنت وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، لم تُقرأ فقط كخطوة سياسية لخفض التوتر، بل كعامل مباشر أعاد تشكيل مزاج الأسواق خلال ساعات قليلة.
قبل إعلان الهدنة، كانت الأسواق تتحرك تحت ضغط مخاوف حادة من صدمة طاقة محتملة، في ظل تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم. هذه المخاوف كانت قد رفعت توقعات التضخم، وأعادت إلى الواجهة سيناريو تشديد نقدي أكثر حدة من جانب البنوك المركزية.
لكن مع انحسار التوتر، تراجع هذا السيناريو سريعاً، إذ خفّت المخاوف من انقطاع الإمدادات، ما انعكس مباشرة على توقعات الأسعار والتضخم في المدى القريب.
في الولايات المتحدة، انعكست التطورات الجيوسياسية على توقعات السياسة النقدية، حيث بدأت الأسواق بإعادة تقييم احتمالات استمرار رفع أسعار الفائدة. ومع تراجع الضغوط التضخمية المتوقعة، عاد الحديث بقوة عن إمكانية خفض الفائدة خلال العام الجاري إذا استمرت حالة التهدئة.
ووفق بيانات تسعير العقود المستقبلية، ارتفعت احتمالات خفض الفائدة الأمريكية بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل إلى نحو 43% بحلول نهاية العام، مقارنة بنحو 14% فقط قبل إعلان الهدنة، في تحول سريع يعكس حساسية الأسواق للتوترات الجيوسياسية.
في منطقة اليورو، خفّض المستثمرون توقعاتهم بشأن أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي، إذ تراجعت احتمالات الرفع إلى نحو 30% فقط، بعد أن كانت تقارب 60% في جلسة سابقة.
أما في المملكة المتحدة، فقد خفّضت الأسواق توقعاتها لمسار التشديد النقدي من قبل بنك إنجلترا، حيث باتت تسعّر حالياً زيادة واحدة فقط في تكاليف الاقتراض حتى نهاية 2026، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى احتمال زيادتين.
أسواق السندات كانت من بين أسرع المتفاعلين مع هذا التحول في المزاج الاستثماري. فقد تراجعت عوائد السندات الحكومية بشكل ملحوظ، مع انخفاض العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بأكثر من 13 نقطة أساس، والسندات الأمريكية بنحو 6 نقاط أساس، بينما هبطت العوائد البريطانية بنحو 18 نقطة أساس.
هذا التراجع يعكس زيادة الإقبال على أدوات الدين كملاذ آمن، بالتزامن مع تراجع توقعات التضخم وأسعار الفائدة.
كان النفط الخاسر الأكبر من الهدنة. فقد هبطت الأسعار بشكل حاد بعد إعلان وقف التصعيد، متراجعة إلى حدود 95 دولاراً للبرميل، بعد موجة صعود قوية تجاوزت 50% خلال شهر مارس وحده، مدفوعة بالمخاوف الجيوسياسية.
كما تراجعت الفجوة السعرية بين العقود الآجلة، إذ اختفت تقريباً علاوة خام “نايمكس” لشهر مايو فوق خام “برنت” لشهر يونيو، ما يعكس انحسار التوقعات بنقص الإمدادات على المدى القصير، خصوصاً مع إعادة فتح مضيق هرمز.
ورغم هذا التحسن السريع في شهية المخاطرة، لا تزال التحديات قائمة. فالأضرار التي لحقت ببنية الطاقة في بعض مناطق الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن العالمية، لا تزال تضغط على سلاسل الإمداد.
كما أن هشاشة الهدنة نفسها تبقي الأسواق في حالة ترقب، في ظل احتمال تعثر المفاوضات أو عودة التصعيد في أي لحظة، وهو ما قد يعيد التقلبات الحادة إلى المشهد.
في المحصلة، تعكس الأسواق تحولاً سريعاً من تسعير سيناريو الحرب وارتفاع التضخم إلى رهان أكثر هدوءاً يقوم على استقرار نسبي في الإمدادات ودعم محتمل لخفض الفائدة.
لكن هذا الهدوء يظل مشروطاً، إذ يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه الهدنة بداية مسار استقرار طويل يعيد التوازن للأسواق العالمية، أم مجرد استراحة قصيرة قبل موجة جديدة من التصعيد؟




