اقتصاد المغربالأخبار

المغرب محور التحول الطاقي الأوروبي عبر مشروع سيلا أتلانتيك

بين ضغوط التغير المناخي وتقلبات أسواق الطاقة، تبحث أوروبا عن بدائل آمنة ومستدامة تضمن استقرار إمدادات الكهرباء على المدى الطويل. وفي خضم هذا التحول العميق، يبرز المغرب كلاعب صاعد يعيد تموضعه داخل معادلة الطاقة العالمية، مستفيدا من موقعه الجغرافي الفريد، ووفرة موارده الشمسية والريحية، وشراكاته المتنامية مع القوى الصناعية الأوروبية.

وفي هذا الإطار، يطفو إلى الواجهة مشروع “سيلا أتلانتيك” كأحد أكثر المشاريع الطاقية طموحا بين ضفتي المتوسط، إذ يراهن على نقل الكهرباء المتجددة المنتَجة في المغرب نحو ألمانيا عبر بنية تحتية بحرية غير مسبوقة، تمتد لآلاف الكيلومترات، في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا في رؤية أوروبا لأمنها الطاقي.

وذكرت وكالة الأنباء الإيطالية “أغينزيا نوفا” أن الحكومة الألمانية تبدي دعما واضحا لهذا المشروع، الذي يقوم على مد كابل بحري يصل طوله إلى نحو 4.800 كيلومتر، لنقل كميات كبيرة من الكهرباء الخضراء من جنوب المتوسط إلى شمال أوروبا، بما يعزز التكامل الطاقي العابر للقارات.

وبحسب المصدر ذاته، يحظى المشروع باهتمام متزايد داخل الأوساط الرسمية والاقتصادية الألمانية، حيث نقلت الوكالة تصريحا لرومان دودنهاوزن، أحد القائمين على المبادرة، أكد فيه أن ردود الفعل الإيجابية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية، إلى جانب عدد من الشركات الكبرى، كانت “مشجعة للغاية” وتشكل دفعة قوية لتسريع تنفيذ المشروع.

وفي موازاة ذلك، يجري مطورو “سيلا أتلانتيك” مفاوضات متقدمة مع السلطات المغربية، وُصفت بـ“البناءة جدا”، في أفق إرساء هذا الربط الطاقي طويل الأمد، الذي من شأنه أن يعزز موقع المملكة كنقطة ارتكاز استراتيجية داخل شبكة إمداد كهربائي عابرة للحدود.

ولا يقتصر الزخم المحيط بالمشروع على الدعم الحكومي، إذ أبدى فاعلون صناعيون ألمان كبار اهتمامهم المباشر بالكهرباء المنتَجة في المغرب، وعلى رأسهم شركة “دوتش باهن” المشرفة على شبكة السكك الحديدية الألمانية، والتي أعلنت استعدادها لاستخدام هذه الطاقة النظيفة في أنشطتها.

وأشارت الوكالة إلى أن الشركة وجهت رسالة رسمية إلى وزارة الاقتصاد والطاقة في برلين، رحبت فيها بالدعم الحكومي للمشروع، معتبرة أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح القادمة من المغرب تمثل خيارا جذابا ومستداما لتأمين احتياجاتها الكهربائية على المدى البعيد.

ويعكس هذا التوجه، وفق المصدر ذاته، وعيا متزايدا لدى الفاعلين الألمان بأهمية تنويع مصادر الطاقة النظيفة، في سياق أوروبي يتسم بارتفاع الطلب على الكهرباء الخضراء، والسعي إلى تقليص الاعتماد على مصادر تقليدية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار.

وفي السياق نفسه، نقلت “أغينزيا نوفا” عن صحيفة “هاندلسبلات” الألمانية أن المشروع بلغ بالفعل “مرحلة متقدمة”، ما يؤشر على جدية الأطراف المعنية في الانتقال من مرحلة التصورات والدراسات إلى أفق التنفيذ العملي.

ومن المرتقب، حسب المعطيات المتداولة، تشييد محطات ضخمة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية في المغرب بقدرة إجمالية تصل إلى 15 جيغاواط، مع التخطيط لتصدير ما يقارب 26 تيراواط/ساعة من الكهرباء سنويا نحو ألمانيا.

وتعادل هذه الكمية حوالي 5 في المائة من إجمالي استهلاك ألمانيا من الكهرباء، وهو ما يمنح المشروع بعدا استراتيجيا يتجاوز إطار التعاون الثنائي، ويضع المغرب في قلب التحول الطاقي الأوروبي، كجسر طاقي يربط بين الجنوب الغني بالموارد والشمال الصناعي الباحث عن الاستدامة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى