الاقتصاديةالتكنولوجيا

المبرمجون على مفترق طرق.. بين الثورة الرقمية وانقراض الوظائف التقليدية

قبل عقود، كانت مهنة عامل التليجراف رمزًا للتواصل العصري، حيث يجلس خلف جهازه ينقل الرسائل بنبضات دقيقة يفهمها القليلون، ويشكل حلقة الوصل بين المدن. اليوم، يقف المبرمجون أمام تحوّل مماثل، لكن هذه المرة لا تهددهم التكنولوجيا من الخارج، بل من داخل المجال نفسه.

شهدت السنوات الأخيرة تقلبات حادة في قطاع التكنولوجيا العالمي. بعد التوظيف المكثف خلال جائحة كورونا نتيجة التحول الرقمي، دخل القطاع مرحلة تصحيحية عنيفة.

وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي، تراجع مؤشر إعلانات توظيف المبرمجين على موقع “إنديد” في الولايات المتحدة إلى 70 نقطة في فبراير 2026، مقارنة بأكثر من 230 نقطة في 2022، مما يعكس تقلصًا كبيرًا في فرص العمل.

قبل انفجار فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية، كان قطاع البرمجيات الأمريكي يوفر نحو 700 ألف وظيفة. اليوم، انخفض العدد إلى النصف تقريبًا، مع اختفاء أكثر من ربع وظائف البرمجة خلال العامين الماضيين فقط.

تزامن هذا الانخفاض مع إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل “شات جي بي تي”، ما دفع خبراء إلى رصد تأثير مباشر على تراجع الحاجة إلى المبرمجين التقليديين. القدرات الجديدة للنماذج الذكية بدأت تقليص الاعتماد على الكتابة اليدوية للكود.

أظهرت دراسة لجامعة ستانفورد أن المبرمجين الجدد هم الأكثر تضررًا، إذ انخفض معدل توظيف المطورين بين 22 و25 عامًا بنسبة 20% بحلول يوليو 2025 مقارنة بذروة التوظيف في 2022.

يرى عدد من الرؤساء التنفيذيين أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تعريف وظائف البرمجة. مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة “ميتا”، أكد أن الشركات تمتلك بالفعل أدوات ذكية قادرة على أداء مهام المبرمجين من المستوى المتوسط بكفاءة عالية.

تتسارع قدرات الذكاء الاصطناعي في كتابة الأكواد. شركة “أنثروبيك” أفادت أن منصة “كلود كود” تولّد اليوم بين 70% و90% من الأكواد داخليًا، بينما لم يعد المهندسون يكتبون الكود يدويًا كما كان سابقًا.

رغم تراجع التوظيف، لا تزال الحاجة قائمة للمبرمجين، لكن مع مهام متجددة: تصميم بنية التطبيقات، اكتشاف الأخطاء، وضبط الجودة، بينما تتولى الآلات إنتاج الأكواد.

يتوقع إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “جوجل”، أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستستبدل أغلب المبرمجين خلال عام واحد، مع تطور النماذج لتعديل الأكواد وتطويرها ودمجها في تطبيقات معقدة بحلول 2027.

ختامًا، لا تمر البرمجة بمرحلة انقراض، بل تعيش تحولًا تاريخيًا يعيد تعريف أدوارها. بينما تتراجع أهمية كتابة الكود اليدوي، تتصاعد قيمة من يستطيع توجيه الذكاء الاصطناعي وتحويل إمكانياته إلى حلول فعّالة وواقعية للاقتصاد الرقمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى