الاقتصادية

العريان: الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية

تشهد الأسواق العالمية مرحلة تتسم بارتفاع مستوى الضبابية، في ظل تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية تعيد رسم ملامح الاقتصاد الدولي.

ويرى المستشار الاقتصادي محمد العريان أن التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن العالم يواجه مجموعة من التحديات المتزامنة، بدءاً من اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد، مروراً بتوسع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى تنامي استخدام الأدوات الاقتصادية في النزاعات الدولية، وهو ما يزيد من تعقيد قرارات المستثمرين وصناع السياسات النقدية.

وأوضح العريان، في نشرته الأسبوعية، أن الأسواق لا تزال منقسمة بين من يعتقد أن الاقتصاد العالمي قادر على تجاوز هذه التحديات خلال فترة قصيرة، وبين من يرى أن حالة عدم اليقين ستظل السمة الأبرز خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار الضغوط على النمو والتضخم في آن واحد.

وأشار إلى أن التوترات المتجددة في الشرق الأوسط، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى الهجمات التي عطلت حركة الملاحة في البحر الأحمر، أعادت الضغوط إلى سلاسل الإمداد العالمية بعد فترة من التكيف النسبي مع اضطرابات مضيق هرمز.

وأسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين والطاقة، مما أعاد المخاوف التضخمية إلى الواجهة في وقت كانت فيه البنوك المركزية تأمل اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي.

وفي ملف التجارة الدولية، لفت العريان إلى أن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على عدد من الشركاء التجاريين، إلى جانب رسوم إضافية استهدفت بعض الدول، زادت من حالة الغموض بشأن مستقبل النظام التجاري العالمي. واعتبر أن التحدي لم يعد يقتصر على ارتفاع تكلفة التجارة، بل يمتد إلى احتمالات تصاعد الإجراءات الانتقامية وتأثيرها في حركة الاستثمار وسلاسل التوريد العالمية.

وعلى صعيد التكنولوجيا، أكد أن شركات التكنولوجيا العملاقة تواصل ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة في مشاريع الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعزز فرص رفع الإنتاجية مستقبلاً، لكنه في الوقت ذاته يزيد احتياجات التمويل ويرفع حجم إصدارات السندات، الأمر الذي انعكس على ارتفاع تكاليف الاقتراض، خصوصاً بالنسبة للديون طويلة الأجل.

وأضاف أن هذه الموجة الاستثمارية تحمل تأثيراً مزدوجاً، إذ يمكن أن تعزز الطاقة الإنتاجية على المدى الطويل، لكنها تفرض في الوقت الراهن ضغوطاً تضخمية إضافية، ما يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر تعقيداً في تحديد المستوى المناسب لأسعار الفائدة وتحقيق التوازن بين دعم النمو والسيطرة على التضخم.

وأشار التقرير إلى أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي تجاوزت حدود التطوير التقني، لتتحول إلى قضية استراتيجية ترتبط بالأمن الاقتصادي، والسيادة الرقمية، وإدارة البيانات، فضلاً عن تأثيرها في موازين المنافسة العالمية ومستقبل الابتكار.

أما على مستوى الاقتصادات الكبرى، فقد أظهرت البيانات استمرار التباين في الأداء. ففي الولايات المتحدة، حافظ سوق العمل على متانته، بينما كشفت مؤشرات النشاط الاقتصادي عن تفاوت واضح بين قطاع الخدمات الذي واصل تحقيق أداء قوي، وقطاع التصنيع الذي لا يزال يواجه ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر عمليات التسليم بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد.

وفي أوروبا، أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، مع تأكيده أن اجتماع سبتمبر المقبل سيبقى مفتوحاً أمام جميع الخيارات وفق تطورات التضخم والبيانات الاقتصادية، بينما تتابع الأسواق في بريطانيا عن كثب توجهات السياسة المالية الجديدة وتأثيرها المحتمل على قرارات بنك إنجلترا في ظل استمرار ضغوط سوق العمل.

وفي الأسواق المالية، سجل النفط تقلبات حادة بعدما تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع قبل أن يتراجع قرب مستوى 97 دولاراً، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، وهو ما زاد الضغوط على أسواق الأسهم، خاصة أسهم التكنولوجيا، بينما واصل الدولار مكاسبه، في حين سجل الين الياباني أحد أضعف مستوياته أمام العملة الأمريكية منذ عقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى