الطاقة وراء الثورة الرقمية.. هل يستطيع العالم مواكبة طلب الذكاء الاصطناعي؟

تبدو شاشات الكمبيوتر وهواتفنا المحمولة مجرد واجهة للذكاء الاصطناعي، لكن وراء هذه الواجهات يتشكل عالم من الطاقة المكثفة.
كل استفسار يُرسل إلى نموذج لغوي، وكل صورة أو فيديو يُنتَج آليًا، يتطلب تشغيل مراكز بيانات ضخمة، رقائق إلكترونية متعطشة للطاقة، وأنظمة تبريد مستمرة دون توقف. الواقع يقول إن الثورة الرقمية لم تعد مجرد خوارزميات ذكية، بل أصبحت قصة عن القوة والطاقة.
مع سعي العالم نحو الابتكار والنمو الاقتصادي، يطرح السؤال نفسه: هل تمتلك شبكاتنا الكهربائية القدرة على مواكبة هذه الطفرة الرقمية؟ وهل سيكون الوصول إلى الطاقة عادلاً وآمنًا لجميع البشر؟
في يناير/كانون الثاني الجاري، يلتقي قادة العالم في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس تحت شعار «روح الحوار» لمناقشة النمو والابتكار ضمن حدود كوكب محدود الموارد.
لكن خلف الاجتماعات والمناقشات، يلوح تحدٍ بنيوي كبير: الطلب المتصاعد على الطاقة، الذي لم تعد تغذيه فقط زيادة السكان والتحضر والتحول للكهرباء، بل أصبح محركه الرئيسي الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
لطالما اعتُبر الذكاء الاصطناعي ظاهرة رقمية بحتة، إلا أن الواقع مختلف: كل نموذج لغوي ضخم، وكل فيديو يُنتَج بالذكاء الاصطناعي يعتمد على بنية تحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة. بعض التقديرات تشير إلى أن مراكز البيانات قد تضاعف استهلاكها للكهرباء بحلول عام 2030 إذا استمر نمو الذكاء الاصطناعي بوتيرة عالية.

على سبيل المثال، بحث واحد على «تشات جي بي تي» يستهلك طاقة تفوق سبعة أضعاف البحث التقليدي على «غوغل»، بينما تدريب نموذج ضخم قد يستهلك كهرباء تعادل ما يستهلكه أكثر من 100 منزل سنويًا. وعند ضرب هذه الأرقام في ملايين المستخدمين والخوادم، يصبح استهلاك الطاقة مذهلًا.
ولهذا، لم تعد الانبعاثات وحدها القضية الأساسية، بل أصبح توفير الطاقة نفسه محور النقاش. الرقاقات الإلكترونية تحولت إلى «النفط الجديد»، ومراكز البيانات إلى «مصافي»، والطاقة الموثوقة أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن النفط في القرن الماضي.
الاقتصادات الناشئة تستحوذ على معظم النمو السكاني المستقبلي، مع زيادة الطلب على الطاقة واعتماد أوسع للتقنيات الرقمية. ومع ذلك، غالبًا ما يُغفل دمج البنية التحتية للطاقة مع خطط الثورة الرقمية، مما يخلق فجوة بين التطور التكنولوجي وإمدادات الطاقة.
مستقبل الطاقة العادل يتطلب تمكين هذه الدول من تشغيل مراكز البيانات والمصانع والبنية التحتية الحيوية بكفاءة، دون أن تُترك خارج الثورة الرقمية أو تُجبر على الاختيار بين كهرباء ضعيفة وبيانات متوقفة.
لمواجهة هذا الواقع، يجب تبني استراتيجية طاقة براغماتية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
الأمن: ضمان إمدادات مستقرة من مصادر متعددة، بما يشمل الغاز والطاقة المتجددة، مع تعزيز موثوقية الشبكات الكهربائية.
التكلفة المقبولة: إبقاء الطاقة في متناول الأسر والصناعات ومشغلي مراكز البيانات لتجنب صدمات سعرية وزيادة الفقر الطاقي.
الاستدامة والعدالة: نشر الطاقة المتجددة بواقعية مع دعم احتياطي موثوق، وضمان وصول الطاقة للمناطق الفقيرة، وتسريع الاستثمارات النظيفة حيث الحاجة أكبر.
مناطق مثل الخليج، الغنية بالموارد والطاقة ورؤوس الأموال، يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في توفير الطاقة لمراكز البيانات العالمية، وتمكين النمو في الاقتصادات الناشئة، وتوسيع الاستثمار في مشاريع الطاقة التقليدية والنظيفة.

في دافوس 2026، سيكون على المشاركين إدراك أن الابتكار الرقمي مرتبط مباشرة بأمن الطاقة. التعاون الدولي، الاستثمارات العابرة للحدود، وحوافز كفاءة الطاقة، كلها عناصر حاسمة.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي نفسه أن يساعد في تحسين الشبكات والتنبؤ بالطلب ودمج الطاقة المتجددة، لكن كل ذلك لن ينجح دون إمدادات طاقة موثوقة أساسًا.
العالم اليوم على مفترق طرق: مسار يقوده الابتكار والازدهار، مع طاقة متاحة للجميع واقتصاد رقمي متقدم، ومسار آخر يعمّق الفجوات ويفرض اعتمادًا على مصادر الطاقة التقليدية.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الطاقة مجرد خدمة، بل أصبحت العمود الفقري للابتكار والازدهار والعدالة الاقتصادية.




