الاقتصادية

الصين في اختبارات «بيزا».. هل يعكس تفوق أربع مناطق مستوى التعليم في البلاد؟

رغم النتائج المتقدمة التي حققتها الصين في الاختبارات الدولية لتقييم مكتسبات التلاميذ، فإن نطاق المشاركة يطرح تساؤلات حول مدى دقة الصورة التي تقدمها هذه النتائج عن المنظومة التعليمية في البلاد.

فالتفوق المسجل في الرياضيات والعلوم لم يستند إلى عينة تشمل مختلف المقاطعات الصينية، بل اقتصر على أربع مناطق تعد من الأكثر ثراءً وتطوراً، ما يثير النقاش حول الترتيب الذي كان من الممكن أن تحققه الصين لو شارك تلاميذها من مختلف أنحاء البلاد.

ووفق نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب «بيزا»، حقق 12.385 تلميذاً صينياً يبلغون 15 عاماً أفضل أداء بين المشاركين في مادتي الرياضيات والعلوم، فيما جاءوا في المرتبة الثانية في القراءة بعد سنغافورة.

غير أن هذه النتائج تخص بكين وشانغهاي ومقاطعتي جيانغسو وتشجيانغ فقط، وهي المناطق الأربع التي شاركت في الاختبار من البر الرئيسي الصيني، والمعروفة اختصاراً باسم «BSJZ».

وتضم هذه المناطق مدينتين كبيرتين ومقاطعتين في شرق الصين، ويبلغ مجموع سكانها نحو 200 مليون نسمة. ورغم أهمية هذا العدد، فإنها لا تمثل بالضرورة الواقع الاقتصادي والتعليمي لبقية البلاد، بالنظر إلى التفاوت في مستويات الدخل وفرص الولوج إلى التعليم بين المناطق الصينية.

تسجل بكين وشانغهاي وجيانغسو وتشجيانغ معدلات للالتحاق بالتعليم الثانوي الأكاديمي والجامعي تفوق المتوسط الوطني، كما يصل متوسط الدخل المتاح للفرد فيها إلى نحو 70 ألف يوان سنوياً، أي ما يعادل قرابة 9700 دولار، بزيادة تقارب 60 في المائة مقارنة بمتوسط البر الرئيسي الصيني.

وتدفع هذه الفوارق إلى التساؤل عما إذا كانت النتائج ستظل بالقوة نفسها لو شملت الاختبارات تلاميذ المناطق الأقل دخلاً، حيث تختلف الظروف الاقتصادية ومستويات الاستفادة من فرص التعليم العالي.

وسبق لباحثين في البنك الدولي أن حاولوا الإجابة عن هذا السؤال سنة 2018، عبر دراسة نتائج مناطق صينية شاركت في اختبارات «بيزا» خلال فترات مختلفة، بما أتاح مقارنة الأداء التعليمي بمستويات التنمية الاقتصادية.

واستندت الدراسة إلى العلاقة بين الدخل والنتائج الدراسية لتقدير الأداء المحتمل للصين على المستوى الوطني، بالاعتماد على متوسط الدخل المسجل في البلاد. وفي مرحلة لاحقة، عملت مجلة «ذي إيكونوميست» على تحديث هذا المنهج الحسابي وإدراج معطيات مستمدة من اختبارات أحدث.

وأظهرت التقديرات الأولية، بناءً على العلاقة التاريخية بين الدخل والتحصيل الدراسي، أن الصين كان يمكن أن تحقق 579 نقطة في الرياضيات لو شاركت جميع مقاطعاتها، وهي نتيجة كانت ستضعها في صدارة الترتيب العالمي.

لكن هذه النتيجة تظل افتراضية، إذ لا تستند إلى اختبار شمل فعلياً جميع المناطق الصينية. كما أن نتائج دورة 2025 أظهرت تراجعاً في الأداء مقارنة بما كانت تتوقعه الحسابات السابقة، وهو ما قد يرتبط بالآثار المستمرة لجائحة «كوفيد-19» أو بالتغيرات التكنولوجية التي أثرت في طرق التعلم وعادات الدراسة.

ولم تكن المناطق الصينية الأربع المشاركة بمنأى عن هذا التراجع؛ فقد انخفضت نتائجها في القراءة مقارنة بسنة 2018، فيما لم تسجل المواد الأخرى التحسن الذي كان متوقعاً بالنظر إلى تطور مستويات الدخل.

وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقة بين الثروة الاقتصادية والأداء التعليمي ليست ثابتة، وأن إسقاط الاتجاهات السابقة على النتائج الجديدة قد يؤدي إلى تقديرات لا تعكس التحولات التي عرفتها المنظومة التعليمية.

ولمراعاة هذا التغير، جرى تعديل النموذج الحسابي بالاستناد إلى النتائج الفعلية التي سجلتها المناطق الأربع في اختبار 2025، ما أفضى إلى تقديرات أكثر تحفظاً بشأن أداء الصين لو شاركت على المستوى الوطني.

وبحسب هذه الحسابات المعدلة، كان من الممكن أن تحصل الصين على نحو 536 نقطة في الرياضيات، مقابل 612 نقطة سجلتها المناطق الأربع المشاركة فعلياً. وكانت هذه النتيجة الافتراضية ستضع البلاد في المرتبة الرابعة عالمياً في المادة نفسها.

أما متوسط النتائج المقدرة في الرياضيات والعلوم والقراءة، فكان سيبلغ نحو 501 نقطة، وهو ما كان سيسمح للصين باحتلال المرتبة السابعة عالمياً وفق هذا النموذج، رغم التفاوت في مستويات الدخل بينها وبين عدد من الدول المتقدمة.

لا يقتصر غياب التمثيل الوطني الكامل في اختبارات «بيزا» على الصين، إذ تشارك بعض الدول من خلال مناطق محددة فقط. فالعراق، على سبيل المثال، تمثله منطقة كردستان، بينما تقتصر مشاركة طاجيكستان على التلاميذ في العاصمة دوشنبه.

غير أن الحالة الصينية تظل لافتة بسبب حجم الفوارق الاقتصادية والتعليمية بين المناطق الأربع المشاركة وبقية البلاد، فضلاً عن الثقل السكاني والاقتصادي لهذه المناطق، التي تشكل أساس النتائج المنسوبة إلى الصين في التصنيف الدولي.

وتشير التقديرات إلى أن توسيع المشاركة لتشمل جميع المقاطعات الصينية لن يؤدي بالضرورة إلى فقدان البلاد موقعها المتقدم، حتى بعد احتساب التراجع المسجل في دورة 2025.

لكن هذه النتائج تظل مرتبطة بالافتراضات التي يقوم عليها النموذج الحسابي، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها بديلاً عن اختبار وطني فعلي بعينة ممثلة.

من شأن توسيع المشاركة الصينية أن يوفر صورة أكثر شمولاً عن مستوى التعليم في البلاد، ويسمح بإجراء مقارنة أكثر دقة مع الأنظمة التعليمية الأخرى، عبر إدراج مناطق تختلف في مستويات التنمية الاقتصادية والبنية التعليمية وفرص الولوج إلى التعليم العالي.

كما ستتيح هذه الخطوة التمييز بين أداء المناطق الأكثر تقدماً والمستوى العام للتحصيل الدراسي في بلد واسع جغرافياً وديمغرافياً، بدلاً من الاعتماد على نتائج أربع مناطق فقط لتقييم منظومة تعليمية تضم أعداداً كبيرة من التلاميذ وظروفاً متفاوتة.

وتؤكد هذه الحالة أهمية مراعاة نطاق المشاركة والمنهجية المعتمدة عند قراءة التصنيفات الدولية، لأن النتائج المرتفعة لا تكفي وحدها للحكم على أداء نظام تعليمي بأكمله ما لم تكن العينة المشاركة ممثلة لمختلف مكوناته.

وفي انتظار مشاركة أوسع للصين في الاختبارات المقبلة، يبقى السؤال مطروحاً بشأن مدى قدرة نتائج بكين وشانغهاي وجيانغسو وتشجيانغ على عكس المستوى التعليمي في البلاد ككل.

فالصورة الأكثر دقة لا تكتمل بقياس أداء المناطق المتقدمة فقط، بل تتطلب أيضاً إدراج التلاميذ في المناطق الأقل دخلاً والأقل استفادة من الموارد التعليمية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى