الصين تصنع مستقبل السيارات.. من تحديات 2011 إلى الهيمنة العالمية في 2026

من مجرد ضحكات ساخرة في 2011 إلى رهانات استراتيجية على مستوى العالم في 2026، تحولت صناعة السيارات الصينية من ظاهرة محلية إلى قوة كبرى تهز أسواق الغرب.
اليوم، لم تعد المنافسة الصينية تقتصر على السعر فقط، بل باتت الصين تفرض قواعد جديدة للعبة العالمية، مزيجًا من الابتكار التكنولوجي والاستراتيجية الإنتاجية المحكمة.
قبل عقد من الزمن، كان المستهلكون يترددون في شراء سيارات صينية بسبب مخاوف الجودة والاعتمادية. لكن مع التحول السريع نحو السيارات الكهربائية، نجحت الصين في إعادة صياغة صورتها بالكامل. المركبات الصينية أصبحت اليوم معيارًا عالميًا، تقدم أسعارًا تنافسية وتقنيات متقدمة جعلتها تتفوق على ديترويت التقليدية كمركز صناعي عالمي.
وفق بيانات جمعية سيارات الركاب “سي بي سي إيه”، سيطرت السيارات الصينية على 35.6% من السوق العالمية في 2025، بمبيعات بلغت 96.47 مليون وحدة. واحتفظت الصين بموقعها كأكبر مصدر للسيارات في العالم للعام الثالث على التوالي، بعد أن تجاوزت اليابان في 2023، حيث صدّرت 8.32 مليون وحدة مقارنة بمليون وحدة فقط في 2020.
شهدت أوروبا صعودًا لافتًا للسيارات الصينية، متفوقة لأول مرة على السيارات الكورية في غرب القارة. وأبدى الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” قلقه من هذا التوسع، محذرًا من احتمالية فرض الاتحاد الأوروبي لقيود صارمة على الواردات الصينية.
المملكة المتحدة أصبحت أكبر سوق خارج الصين لـ “بي واي دي”، بينما كانت “شيري” العلامة الصينية الأكثر مبيعًا في السوق البريطانية خلال أكتوبر. وفي أستراليا، تمكنت “بي واي دي” من احتلال المركز السادس بين العلامات التجارية الأكثر مبيعًا في يناير 2026، متفوقة على “تسلا” الأمريكية بفارق يصل لعشرة أضعاف.
تعتمد الصين على هيمنتها على سلاسل توريد البطاريات والمعادن الأرضية النادرة، المستخدمة في تصنيع المحركات والمغناطيسات. وساعدت الاستثمارات الغربية السابقة في الصين على تعزيز هذا النفوذ، مستفيدة من التكلفة المنخفضة والدعم الحكومي.
تستند السيارات الحديثة بشكل متزايد على تقنيات الإنترنت والبرمجيات الذكية، حيث تلعب الشركات الصينية دورًا رئيسيًا في هذا المجال. وقد دفعت هذه الهيمنة الولايات المتحدة إلى فرض قيود على بعض البرمجيات لأسباب أمنية، بينما يظل العثور على بدائل عملية تحديًا صعبًا.
نجحت “بي واي دي” في سحق المنافسين المحليين بأسعار منخفضة، لكن الحكومة الصينية تدخلت لضبط المنافسة المتزايدة التي بدأت تهدد هوامش الربح وتضغط على الشركات الأصغر.

حذر جيم فارلي، المدير التنفيذي لشركة “فورد”، من أن فائض الطاقة الإنتاجية لدى الشركات الصينية وقدرتها على التحكم بالأسعار قد تجبر الشركات الغربية على إعادة هيكلة تكاليفها بشكل جذري للحفاظ على قدرتها التنافسية.
استجابة للضغط المحلي والقيود الجمركية، استثمرت الشركات الصينية في مصانع خارجية، مثل “جريت وول موتور” في البرازيل عام 2024، و”إنفيجن” التي بدأت إنتاج البطاريات رسميًا في فرنسا، ما يعكس استراتيجية هجومية متكاملة للوصول للأسواق العالمية.
مع فائض الإنتاج، تلجأ بعض الشركات إلى إعادة تصنيف سيارات على أنها مستعملة رغم قلة استخدامها، وهو ما يثير مخاوف من اضطراب قد يشبه الأزمات التي شهدتها أسواق العقارات والطاقة الشمسية.
بينما تحاول الدول الغربية وضع قيود على الزحف الصيني، يظل الابتكار الصناعي الصيني وقدرته على إعادة تشكيل قواعد السوق علامة واضحة على أن الهيمنة الصينية ليست مستقبلًا بعيدًا، بل واقعًا يتشكل أمام أعين الجميع.




