الذهب في مواجهة الأزمات: لماذا لم يطفو المعدن الأصفر فوق التوترات الأخيرة؟

لطالما ارتبط الذهب بالاستقرار في أوقات الأزمات، حيث يلجأ المستثمرون إليه لحماية أصولهم من تقلبات الأسواق أثناء الحروب والتوترات الجيوسياسية. عادةً ما يشهد المعدن الأصفر ارتفاعًا سريعًا مع تصاعد المخاطر، ليصبح الملاذ الآمن الذي يبحث عنه الجميع.
لكن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط قدّمت مفاجأة للأسواق. مع تصاعد المواجهات العسكرية، توقع الكثيرون أن يقفز الذهب بقوة كما حدث في أزمات سابقة، إلا أن الأسعار تحركت في نطاق محدود نسبيًا، متذبذبة بين الصعود والهبوط.
بعد اندلاع الصراع، ارتفع الذهب سريعًا إلى 5400 دولار للأوقية في الثاني من مارس، لكنه سرعان ما تراجع بنسبة 6% إلى 5085 دولارًا في الجلسة التالية. منذ ذلك الحين، تراوحت الأسعار بين 5050 و5200 دولار، في أداء متقلب لم يرقَ إلى التوقعات التقليدية للمعدن النفيس.
السبب يعود إلى تعارض عاملين: المخاطر الجيوسياسية التي تزيد الطلب على الذهب، مقابل عوامل مالية واقتصادية قوية تضغط على أسعاره، بما في ذلك قوة الدولار، ارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ بعض مشتريات البنوك المركزية.

رغم التقلبات الحالية، تظل النظرة المستقبلية للذهب إيجابية. بنك “جيه بي مورجان” يتوقع وصول الأسعار إلى 6300 دولار للأوقية بحلول نهاية العام، بينما يتوقع “دويتشه بنك” أن تصل إلى نحو 6000 دولار بنهاية 2026.
أسباب وراء الأداء الباهت | |
السبب | الشرح |
قوة الدولار | – يُعد ارتفاع الدولار أحد أبرز العوامل التي حدّت من صعود الذهب خلال الفترة الأخيرة، فعندما ترتفع العملة الأمريكية يصبح شراء الذهب أكثر تكلفة للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى. – كما لعب ارتفاع عوائد سندات الخزانة دورًا في الحد من مكاسب الذهب، فالمعدن الأصفر لا يدر عائدًا، على عكس السندات التي توفر دخلًا ثابتًا. – لذلك يميل المستثمرون في بيئة الفائدة المرتفعة إلى تحويل أموالهم نحو الأصول المدرة للعائد بدلًا من الاحتفاظ بالذهب. |
مخاطر التضخم | – رغم أن ارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاطر الجيوسياسية يعززان المخاوف بشأن عودة الضغوط التضخمية، وهو ما يدفع عادة المستثمرين إلى التحوط عبر الذهب. – إلا أن الأسواق ترى أن الضغوط التضخمية ستؤدي إلى تقليص توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي، مع تزايد احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما حد من الطلب على الذهب. |
جني الأرباح | – جاءت التوترات الحالية بعدما سجل الذهب بالفعل مكاسب كبيرة خلال الأشهر الماضية مدعومًا بعمليات شراء من البنوك المركزية ومخاوف التضخم. – عقب ارتفاع الذهب إلى مستويات قياسية في يناير، فضل بعض المستثمرين جني الأرباح بدلًا من زيادة مراكزهم، ما حدّ من أي موجة صعود قوية جديدة. |
تباطؤ طلب البنوك المركزية |
– يُشير أحدث تقرير لمجلس الذهب العالمي، إلى أن البنوك المركزية اشترت نحو 5 أطنان فقط من المعدن الأصفر في يناير، مقارنة بمتوسط شهري قدره 27 طنًا في عام 2025. |
تسعير المخاطر مسبقًا | – الأسواق بالفعل سعرت مخاطر التصعيد الجيوسياسي منذ فترة، فمع تصاعد التوترات تدريجيًا في الشرق الأوسط منذ بداية العام الجاري، ارتفعت أسعار الذهب بالفعل إلى مستويات قياسية. – لذلك، عندما اندلعت المواجهة العسكرية بشكل فعلي، لم يشهد السوق موجة شراء جديدة بالقوة المتوقعة، لأن جزءًا كبيرًا من المخاطر كان قد انعكس بالفعل في الأسعار. |
الحاجة إلى السيولة | – أدت الحرب الحالية إلى موجة بيع في أسواق الأسهم وسط قلق المستثمرين، في ظل عمليات بيع للأصول عالية المخاطر. – في هذه الأثناء، قد يبيع المستثمرون حتى الأصول الآمنة لتغطية خسائرهم في الأسواق الأخرى، وبسبب سهولة تسييل الذهب في الأسواق العالمية، يصبح أحيانًا من أول الأصول التي يتم بيعها مؤقتًا . |
المستثمرون يرون أن الذهب، رغم توقفه عن الصعود الحاد، لا يزال محميًا بعدة عوامل أساسية: مشتريات البنوك المركزية، الغموض التجاري، والاضطرابات الجيوسياسية التي ترفع الطلب عليه.
ما حدث هذه المرة يُظهر أن الذهب لم يعد يتفاعل بشكل تلقائي مع الأزمات كما في السابق. المزيج المعقد من العوامل الاقتصادية والمالية حد من اندفاعه، لكنه لم يقلل من قيمته كملاذ آمن. على المدى الطويل، يظل المعدن الأصفر واحدًا من أبرز أدوات التحوط ضد المخاطر، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين عالميًا.




