الذكاء الاصطناعي والمضاربة: هل يفقد سوق الأسهم استقراره في المستقبل؟

شهدت أسواق الأسهم تحولات جذرية على مدار العقود الماضية، متنقلةً من أنظمة التداول التقليدية التي اعتمدت على أوامر الشراء الورقية وتداول الأسهم كصكوك ملموسة، إلى ثورة رقمية جعلت التداول يتم بشكل لحظي عبر الإنترنت، دون الحاجة إلى ملكية فعلية للأصول.
ومع هذا التطور المستمر، لم تتغير فقط آليات التنفيذ، بل تطورت طبيعة الأسواق نفسها، فأصبحت أكثر تعقيدًا وسرعة، وأكثر تأثرًا بالتكنولوجيا والبيانات الضخمة.
لكن في ظل هذه الديناميكية المتسارعة، ما الذي يحمله المستقبل لأسواق الأسهم؟ وما هي العوامل الحاسمة التي قد تعيد تشكيل المشهد المالي خلال السنوات المقبلة؟
لطالما ارتبطت أسواق المال بالنمو الاقتصادي العالمي، الذي يعد في جزء كبير منه انعكاسًا للتوسع السكاني.
فمنذ عام 1960، تضاعف عدد سكان العالم من 3 مليارات إلى 8.2 مليار بحلول 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 9.8 مليار بحلول عام 2050، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة.
هذا التوسع الديموغرافي لم يكن مجرد رقم إحصائي، بل ساهم في تعزيز القوة الشرائية، لا سيما في الأسواق الناشئة، التي شهدت معدلات نمو تفوقت على نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة.
فمثلًا، من المتوقع أن تبلغ القوة الشرائية للصين 64 تريليون دولار بحلول عام 2030، تليها الهند بـ 46 تريليون دولار، مما قد يدفع بموجة استثمارية جديدة تعيد تشكيل موازين القوة في الأسواق المالية.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في الأسواق المالية، بل أصبح أحد المحركات الأساسية لها. اليوم، يتم تنفيذ أكثر من 70% من عمليات التداول عبر الخوارزميات الذكية، والتي تتميز بقدرتها الفائقة على تحليل البيانات الضخمة واتخاذ القرارات الاستثمارية في أجزاء من الثانية.
لكن هذا التطور، على الرغم من مزاياه، يحمل في طياته تحديات كبرى، حيث أدى الاعتماد المفرط على الخوارزميات إلى مخاطر جديدة، مثل الاضطرابات السوقية الناجمة عن أخطاء البرمجة أو الاختراقات السيبرانية، والتي قد تتسبب في انهيارات سريعة تفوق قدرة الأسواق على الاستجابة الفورية.
و مع انتقال الثروات إلى الأجيال الشابة، تشهد أسواق المال تحولًا ملحوظًا في أنماط الاستثمار. تشير التقديرات إلى أن الأفراد تحت سن الثلاثين سيمتلكون ثروة إجمالية تصل إلى 33 تريليون دولار بحلول 2030، مما يعكس تحوّلًا كبيرًا في طبيعة القرارات الاستثمارية.
على عكس الأجيال السابقة، يميل المستثمرون الشباب إلى المضاربة السريعة بدلاً من الاستثمار طويل الأجل، حيث يعتمدون على تقلبات الأسواق اللحظية أكثر من دراسة أساسيات الشركات.
ووفقًا لإحصائيات أمريكية، فإن 80% من هؤلاء المستثمرين يمتلكون أسهمًا وعملات مشفرة في آنٍ واحد، مما يعزز منطق المضاربة عالية المخاطر، ويزيد من التقلبات الحادة للأسواق.
و ساهم انتشار تطبيقات التداول في إحداث ثورة في عالم الاستثمار، حيث أصبحت أسواق الأسهم في متناول الجميع.
تشير البيانات إلى أن أكثر من 80% من المستثمرين الجدد في الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية دخلوا السوق عبر هذه التطبيقات، التي تقدم واجهات سهلة الاستخدام وتنفيذًا سريعًا للصفقات.
لكن هذه الظاهرة لم تخلُ من تحديات، إذ إن 90% من المستخدمين يقضون وقتًا طويلًا في مراقبة الأسعار، ما يؤثر سلبًا على قراراتهم الاستثمارية وصحتهم النفسية.
كما أن 47% من المتداولين في هذه التطبيقات يتعاملون مع السوق بمنطق “كازينوهات القمار”، معتمدين على الحظ أكثر من التحليل، مما يزيد من حدة التقلبات السوقية.
في ظل هذه المتغيرات، تبدو الأسواق المالية أمام مرحلة غير مسبوقة من التحولات. فمع تصاعد دور الذكاء الاصطناعي، وتغير سلوكيات المستثمرين الشباب، والاعتماد الكبير على تطبيقات التداول، يصبح الاستقرار السوقي أكثر هشاشة.
ومع ذلك، تظل الأسواق الناشئة محط أنظار المستثمرين الباحثين عن فرص جديدة، خاصةً أن تقييماتها لا تزال أقل من نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة. فهل ستكون هذه الأسواق قادرة على تحقيق الاستقرار وسط هذه التغيرات الجذرية؟ أم أن تقلبات الأسواق ستزداد حدة مع الزمن؟
و ستبقى أسواق الأسهم مرآة للاقتصاد العالمي، تعكس تطوراته وأزماته، لكنها ستصبح أكثر اندماجًا مع التكنولوجيا، وأكثر حساسية لتغيرات الأجيال القادمة، مما قد يجعل مستقبلها أكثر غموضًا من أي وقت مضى.