الخوف النفسي في الأسواق.. كيف تُهزم الجموع قبل وقوع الهزيمة الفعلية

في مايو 1940، لم يكن سقوط باريس مجرد نتيجة للتفوق العسكري الألماني. فقبل أن تعبر الدبابات نهر الميز، كانت فرنسا قد انهارت نفسيًا: سنوات من الحرب الإعلامية والدعاية النازية أضعفت الروح المعنوية، وخلق شعورًا جماعيًا بالعجز قبل أي قتال فعلي.
على مدار الثلاثينيات، صنعت ألمانيا صورة أسطورية لقوتها العسكرية. “الحرب الخاطفة” والطيران القوي لم يكونا مجرد أدوات حرب، بل كانا أدوات نفسية أيضًا، صوّرتها الصحف والإذاعات الأوروبية على أنها لا تقهر.
شبكة الجواسيس والشائعات، والمكبرات الصوتية على الخطوط الأمامية، كل ذلك غذّى شعور الفرنسيين بأن الهزيمة محتومة. وعندما بدأ الهجوم في 10 مايو، وجد الجيش الفرنسي نفسه متعبًا نفسيًا: قيادة مشوشة، رأي عام فاقد للثقة، وجنود يستسلمون لمفهوم الهزيمة قبل بدء المعركة.
![]()
هذه التجربة التاريخية تطرح سؤالًا يتجاوز ساحات القتال: هل يمكن للوعي الجمعي أن يُهزم قبل وقوع الهزيمة الفعلية؟
الأسواق المالية تعمل بنفس الطريقة تقريبًا، لكن دون دبابات أو قذائف. فالخوف النفسي يُعيد تشكيل القرارات الاستثمارية ويخلق موجات بيع جماعية، كما يلي:
تأثير الإعلام والمحللين: التحليلات السلبية والتوقعات المتكررة تهيئ المستثمرين لتقبل الخسائر كأمر حتمي.
الصدمات السابقة: بعد أزمة 2008، فضل كثير من المستثمرين الاحتفاظ بالسيولة، فحوالي 58% من النقد مجمد في أصول منخفضة العائد.
السرد الإعلامي المستمر: الأخبار المتشائمة ترفع من مخاطر الذعر، وتزيد تقلب السوق اليوم التالي.
آليات السوق: أوامر الهامش ووقف الخسارة تضخم الموجات البيعية، فبيع صغير يتحول إلى انهيار شامل.
سيكولوجية القطيع: المستثمرون يتبعون الآخرين بلا تفكير، مما يعزز موجة البيع ويزيد النفور من المخاطرة.
دروس من اليابان وألمانيا
اليابان: بعد فقاعة الثمانينيات، عانى الاقتصاد من ركود طويل، تاركًا أثرًا نفسيًا على المستثمرين لعقود. استثمر الدولار الواحد في الأسهم اليابانية بين 1990 و2023 ليصبح 1.32 دولار فقط، مقابل 23 دولارًا في الأسهم الأمريكية.
ألمانيا: التضخم بعد الحرب العالمية الأولى والدمار بعد الثانية خلق ثقافة عدم الثقة بالأسواق، فالأسر الألمانية تفضل النقد والسندات على الأسهم، وتستثمر فقط جزءًا ضئيلاً من أصولها المالية في السوق.
انهيار 1929 في الولايات المتحدة أبرز قوة السرديات السلبية. فقدت أجيال المستثمرين الثقة في الأسهم، واستمرت آثار الكساد عبر الحرب العالمية الثانية، مع انخفاض طويل الأمد في التقييمات.
تشير الأدلة إلى أن الخوف النفسي يمكن أن يدفع المستثمرين حتى ذوي الخبرة للبيع عند أدنى مستويات الأسعار، مما يخلق حلقة تغذية ذاتية للذعر.

على النقيض، يستطيع المستثمرون ذوو الموارد الأكبر وصناديق الأسهم الخاصة الاستفادة من هذه الموجات. التريث سنوات طويلة يتيح لهم اقتناص أصول بأسعار مخفضة، وتحقيق عوائد أعلى، كما أظهرت البيانات: صناديق الأسهم الخاصة حققت نحو 15% سنويًا خلال العقد الماضي، مقابل 5% فقط للسوق العامة.
تمامًا كما انهارت باريس قبل دخول الدبابات، يمكن للأسواق أن تُهزم نفسيًا قبل أن يحدث الانهيار الفعلي. السيطرة على الروايات السائدة، وفهم علم النفس الجماعي، أصبحا بنفس أهمية التحليل المالي.
في النهاية، الثقة هي رأس المال الأكثر قيمة في أي سوق، وفقدانها يمكن أن يخلق انهيارًا نفسيًا حتى قبل أي خسائر فعلية.




