الاقتصادية

الجمود الاستثماري.. عندما تصبح “منطقة الراحة” هي أكبر تهديد لمحفظتك

في عالم الاستثمار الذي يتسم بالتقلبات السريعة والتغير المستمر، يصبح الجمود العقلي أكبر تهديد لعوائد المستثمرين. فالكثيرون يظلون متمسكين بمحافظهم كما هي أو بقرارات قديمة، معتقدين أن “الأمان” يكمن في التمسك بالمألوف، بينما قد يؤدي هذا السلوك إلى خسائر حقيقية أو فقدان فرص نمو كبيرة.

يُعرف هذا السلوك بتحيز “الوضع الراهن” (Status Quo Bias)، وهو ميل نفسي شائع يمنع المستثمرين من تعديل محافظهم حتى عند وجود مؤشرات واضحة تفيد بأن التغيير سيكون الأكثر فائدة.

ويتجلى هذا التحيز في التأخير المستمر لتعديل الاستثمارات، والاحتفاظ بأسهم ضعيفة الأداء، والتردد في إعادة توازن المحفظة بما يتوافق مع الواقع الاقتصادي.

أحد أبرز الأمثلة الواقعية هو المستثمر الأمريكي الذي أبقى أمواله خمس سنوات في صندوق “تارجت ديت” ضعيف العائد، بسبب مخاوف من تعقيدات التحويل بين شركات الوساطة. العملية، التي استغرقت بالفعل 15 دقيقة فقط، كلفه آلاف الدولارات، إذ حقق الصندوق 12% فقط مقابل 18.5% لمؤشر “ستاندرد آند بورز 500”.

تشير دراسات الاقتصاد السلوكي إلى أن البشر يفضلون الخيارات المألوفة على المجهول، حتى عندما تكون تكلفة التغيير ضئيلة والفائدة المستقبلية كبيرة. ويعود ذلك جزئيًا إلى سيطرة مبدأ “الألم واللذة”، أي الخوف من الخسارة مقابل رغبة المكسب.

دراسة صادرة عن عملاق إدارة الأصول “بلاك روك” تؤكد أن الجمود يمثل العدو الأول للمستثمر في بيئة سريعة التغير، حيث يكلف “عدم الفعل” المستثمرين 3–6% سنويًا مقارنة بمن يقومون بتعديلات تتماشى مع ظروف السوق.

وتشير الدراسة إلى أن العديد من المستثمرين يكتفون بتغيير طفيف (1-3%) فقط رغم إدراكهم لضرورة التعديل، بينما تحذر شركات مثل “مورنينغ ستار” من تجاهل التغيرات الاقتصادية طويلة الأمد، مثل التضخم وأسعار الفائدة، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى استراتيجيات استثمارية غير فعالة.

تجربة وارن بافيت مع سهم “أبل” تمثل نموذجًا حيًا للمرونة الاستثمارية. بعد سنوات من تجنب قطاع التكنولوجيا، بدأ بافيت الاستثمار في أبل عام 2016، ورفع حيازته لتصبح العمود الفقري لمحفظة بيركشاير هاثاواي.

وعندما تغيرت الظروف الاقتصادية في 2024، قلّص حصته بنسبة تقارب 50%، مما وفر له سيولة قياسية بلغت 277 مليار دولار، مع الاستمرار في الاستفادة من نمو السهم نفسه.

تجربة بافيت تؤكد أن النجاح الاستثماري لا يكمن في التمسك بالمألوف، بل في مراجعة دورية للمحفظة، واتخاذ قرارات نشطة مبنية على الفرص البديلة وتقييم المخاطر، حتى لو استلزم الأمر التخلي عن استثمارات جذابة.

نصائح لتجنب تحيز الوضع الراهن

  • مراجعة المحفظة بشكل دوري (ربع سنوي أو نصف سنوي) بدل تركها سنوات دون تقييم.

  • تقييم الاستثمارات بناءً على البيانات الحالية وليس على المشاعر أو العادات.

  • حساب تكلفة “عدم الفعل” بالمثل مع تكلفة التغيير.

  • وضع معايير واضحة للدخول والخروج، مثل تغير أساسيات الشركة أو الدورة الاقتصادية.

  • تبسيط عملية التغيير، إذ غالبًا ما تكون أسهل مما يتصور المستثمر.

  • تجنب المبالغة في تقدير المخاطر المتوهمة.

  • الاعتماد على المعلومات الموثوقة بدل الانطباعات.

  • مقاومة الخوف من فقدان شيء مألوف لتحقيق أفضل عائد.

  • التعلم من كبار المستثمرين وزيادة أو تقليل الحيازات وفق الظروف، كما فعل بافيت مع أبل.

في النهاية، المستثمر الناجح هو من يعرف متى يخرج من “منطقة الراحة”، ويحوّل الجمود إلى فرصة لتحقيق مكاسب ملموسة ومستدامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى