الاقتصادية

التقدم بين الابتكار والتنفيذ: لماذا تزدهر بعض الدول وتتراجع أخرى؟

في عالم سريع التغير، حيث تتوالى الاختراعات وتتزايد المخاطر الاقتصادية، أصبح السؤال عن سر نجاح الدول في تحويل التكنولوجيا إلى نمو مستدام أكثر إلحاحاً. الاقتصادي والمؤرخ كارل بينيديكت فراي يطرح هذا السؤال عبر عدسة تاريخية تمتد لأكثر من ألف عام، مستعرضاً كيف لعبت التكنولوجيا والمؤسسات دوراً حاسماً في مسار الأمم.

في كتابه الأخير «كيف ينتهي التقدم: التكنولوجيا والابتكار ومصير الأمم»، لا يقدم فراي وصفات جاهزة للنهوض الاقتصادي، بل يحلل العلاقة المعقدة بين الابتكار والتنفيذ، ويبرز أن النجاح لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، ولا في المركزية الصارمة، بل في التوازن الدقيق بين الاثنين.

يؤكد فراي أن التكنولوجيا هي المحرك الرئيس للنمو، لكنها لا تكفي وحدها. قدرة الدول على تحويل الابتكار إلى ازدهار اقتصادي تعتمد على السياق السياسي والمؤسسي:

  • عندما تكون التقنيات جاهزة للتطبيق، تستطيع الأنظمة المركزية القوية استغلالها بسرعة.

  • أما الابتكار الذي يدفع حدود المعرفة فيحتاج إلى بيئة مفتوحة ولامركزية، حيث تلتقي الأفكار المتنوعة لتوليد حلول جديدة.

ويستشهد فراي بليالي الإصلاحات اليابانية في عصر ميجي، حين مكّنت البيروقراطية القوية الدولة من استيعاب تقنيات جاهزة مثل السكك الحديدية والصناعات الحديثة بسرعة غير مسبوقة.

كما يشير إلى بروسيا في عهد بسمارك، التي نجحت في توظيف الصناعات الكيميائية والميكانيكية بفضل نظام تعليمي متطور وبنوك استثمارية قوية وإدارة هرمية فعالة.

مع ذلك، يؤكد فراي أن الابتكار الحقيقي غالباً ما ينبثق من البيئات غير المركزية. مثال ذلك الثورة الصناعية في بريطانيا، حيث ازدهرت الابتكارات بين المخترعين والعلماء في جمعيات وشبكات غير رسمية مثل جمعية «القمر» في برمنغهام، التي ضمت شخصيات بارزة كجيمس وات وجوزيف بلاك.

بعد ذلك، انتقلت ريادة الابتكار إلى الولايات المتحدة بعد عام 1825، مدفوعة بالنظام الفيدرالي اللامركزي الذي منح المخترعين الحرية واستقلالية أكبر، حتى أن وكالة DARPA الحكومية أثبتت أن الابتكار يمكن أن يزدهر عندما يُمنح العلماء مساحة للتجربة، ما أسهم في تطوير تقنيات محورية مثل الإنترنت.

المركزية ليست دوماً ضمانة للنجاح. روسيا في عهد بطرس الأكبر فشلت في تعميم التقنيات بسبب الطابع الاستبدادي، بينما نجح الاتحاد السوفييتي في الصناعات الثقيلة لكنه تخلف في عصر الحواسيب.

أما الصين، فتتمتع بتاريخ طويل من البيروقراطية المبنية على الجدارة، ما جعلها متقدمة تكنولوجياً بين عامي 1000 و1400. لكن هذا النظام حد من تنوع الأفكار مقارنة بأوروبا، حتى وصلت البلاد إلى التوازن الأمثل خلال إصلاحات دنغ شياو بينغ في السبعينيات، عندما أُدخلت مناطق اقتصادية خاصة سمحت بقدر من اللامركزية.

فراي ينتقد الفكرة القائلة إن التقدم يقتصر على استبدال تقنيات قديمة بأخرى جديدة. التقنيات القديمة تظل أساسية حتى في أكثر الاقتصادات تقدماً. مثال ذلك الذكاء الاصطناعي، الذي يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة للطاقة، ما يجعل دول الخليج والصين لاعبين رئيسيين في هذا المجال.

ويثير فراي تساؤلاً حيوياً: هل مشاريع الطاقة الشمسية الصينية في 2025، التي تتفوق في الحجم والإنتاجية على أي إنجاز أمريكي تاريخي، مجرد تنفيذ واسع، أم شكل جديد من الابتكار القائم على الإمكانيات والبنية التحتية؟

يفصل فراي بين الاختراع والتنفيذ، لكنه يؤكد أن الخط الفاصل بينهما ليس واضحاً دائماً. الدول التي تنجح ليست بالضرورة من اخترعت التكنولوجيا أولاً، بل من تمكنت من نشرها واستغلالها بفعالية. ومع ذلك، تعتمد الأهمية النسبية للابتكار أو التنفيذ على نضج التكنولوجيا نفسها.

كتاب فراي لا يقدم خططاً جاهزة للنهوض بالدول، لكنه يرسم مبادئ يمكن تكييفها مع الظروف المختلفة. وهو يحذر من أن القيود التنظيمية والمصالح الراسخة قد تعرقل قدرة الولايات المتحدة على إعادة الابتكار والبناء.

وفي عالم تتسارع فيه التغيرات، يذكّرنا «كيف ينتهي التقدم» أن مستقبل الأمم لا تحدده التكنولوجيا وحدها، بل كيفية إدارتها، وتوقيت استخدامها، وقدرتها على الجمع بين حرية الابتكار وقوة التنفيذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى