اقتصاد المغربالأخبار

«الاقتصاد الفضي» في المغرب: ثروة ديموغرافية صاعدة ومحرك جديد للنمو

بينما يواصل المغرب تحوله الديموغرافي بسرعة غير مسبوقة، يظهر واقع جديد على الساحة الاقتصادية والاجتماعية: كبار السن لم يعودوا مجرد شريحة سكانية، بل أصبحوا قوة اقتصادية تُعيد تشكيل السوق وتفتح أبواباً واسعة للابتكار في الخدمات.

ففي 2024، شكل الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 60 عاماً نحو 14% من مجموع السكان، مقارنة بـ9% قبل عشرين سنة، وفق المندوبية السامية للتخطيط.

هذا التحول الديموغرافي أفرز بروز ما يعرف بـ«الاقتصاد الفضي»، الذي يشمل جميع الخدمات والأنشطة الاقتصادية المصممة لتلبية احتياجات كبار السن، بدءاً من الرعاية الصحية والتمريض وصولاً إلى الدعم المنزلي والخدمات الاجتماعية.

وأكد يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن ارتفاع عدد كبار السن سيرفع الطلب على خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، مشيراً إلى أن برامج الحماية الاجتماعية التي أطلقتها الدولة تهدف إلى تلبية هذا التحول.

وأضاف في تصريح للجزيرة نت أن امتلاك هذه الفئة لتغطية صحية ودخل مستقر سيمكنها من الاستفادة من خدمات رعاية مميزة ومدفوعة الأجر.

ويأتي برنامج تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه المغرب سنة 2021، كخطوة استراتيجية لتوسيع التغطية الصحية والاجتماعية، من خلال تعميم التأمين الإجباري على المرض ليشمل العمال المستقلين والأسر الفقيرة، وتوسيع أنظمة التقاعد لتشمل نحو 5 ملايين شخص كانوا خارج منظومة المعاشات.

وتُظهر توقعات وزارة الاقتصاد والمالية أن الاقتصاد الفضي يمتلك فرص نمو قوية، تصل إلى 7% سنوياً حتى 2050، ما قد يحقق قيمة مضافة تفوق 640 مليار درهم (حوالي 69 مليار دولار)، أي ما يعادل 13% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ53 مليار درهم سنة 2014.

كما يُتوقع أن تمثل الفئة العمرية فوق 60 سنة نحو 22% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي سنة 2050، مقابل 13% سنة 2014، ما يعكس إمكانيات هائلة للقطاع.

ويشير التقرير إلى أن الاقتصاد الفضي قد يضيف نحو 0.6 نقطة سنوياً إلى الناتج المحلي الخام، أي نحو 18 مليار درهم سنوياً من القيمة المضافة، كما يمهد الطريق لنموذج جديد للرعاية يكمل التضامن التقليدي بين الأجيال ويعزز الإنصاف الاجتماعي، خصوصاً بين النساء.

ويعد الاقتصاد الفضي مجالاً واعداً لإدماج النساء في سوق العمل، خصوصاً في مهن الرعاية الصحية والمنزلية والمرافقة الاجتماعية، إلى جانب خدمات الدعم اليومي لكبار السن.

ويشير الخبير الاقتصادي ياسين اعليا إلى أن مهارات النساء في هذه المجالات تجعل القطاع منصة طبيعية لتوظيفهن، في ظل محدودية مشاركتهن في سوق العمل (19% سنة 2024).

وتظهر الإحصاءات الدولية أن 65% من الوظائف المدفوعة في مجال الرعاية يقوم بها النساء حول العالم، ما يجعل تنظيم القطاع وتحويل الرعاية المنزلية إلى وظائف مؤطرة قانونياً ومهنية فرصة ذهبية لتوظيفهن في المغرب.

ويؤكد الخبير أمين سامي أن الطلب على خدمات الرعاية المنزلية والمرافقة الاجتماعية مضمون هيكلياً وطويل الأمد، مع تزايد عدد كبار السن وانتشار الأمراض المزمنة وتراجع الاستقلالية، مشيراً إلى أن هذا القطاع يعتمد أساساً على العنصر البشري، ويمكن تطوير المهارات بسرعة، ما يقلص زمن الإدماج مقارنة بالقطاعات الصناعية التقليدية.

ورغم الإمكانيات الكبيرة، يواجه الاقتصاد الفضي تحديات تنظيمية وتمويلية، أبرزها هشاشة ظروف العمل في القطاع غير المهيكل وغياب إطار قانوني واضح ينظم مهن الرعاية، إضافة إلى نقص الكفاءات المهنية ومعايير السلامة والأخلاقيات. ويحذر الخبراء من أن توسع الرعاية المنزلية بشكل غير منظم قد يولد سوقاً ضعيفة القيمة المضافة وسمعة مهنية هشة.

ويشدد المختصون على ضرورة تطوير مسارات تدريب مهني مؤسساتي وجامعي لتأهيل كفاءات في الرعاية الصحية، الرعاية المنزلية، الدعم النفسي والاجتماعي، وإدماج النساء في وظائف مستقرة ضمن هذا القطاع.

كما يُبرز الخبراء أهمية إيجاد حلول تمويلية مستدامة، مثل التأمين على الرعاية طويلة الأمد ودعم الفئات الهشة لضمان استمرارية الطلب على خدمات مدفوعة الأجر بجودة عالية.

ويخلص الخبراء إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحويل الاقتصاد الفضي إلى قطاع استراتيجي لتعزيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل للنساء، خاصة مع تعميم الحماية الاجتماعية وتوسع التأمين الصحي وتحسن مستوى معيشة كبار السن بالمغرب.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى