الاقتصادية

الاقتصاد العالمي في مفترق التحولات: من العولمة التقليدية إلى التحالفات المرنة

في ظل زخم الأحداث الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية المتسارعة، يبدو أن النظام الاقتصادي العالمي يعيد رسم خريطة نفوذه. لم تعد القواعد القديمة للمنافسة والتعاون الدولي تكفي، بل أصبح المستقبل يعتمد على قدرة الدول والمؤسسات على التكيف مع تحولات عاجلة ومتداخلة.

كما قال الكاتب الإيطالي جوزيبي توماتسي دي لامبيدوزا: “لكي يبقى كل شيء على حاله، لا بد أن يتغير كل شيء” — اليوم، هذه المقولة ليست مجرد حكمة أدبية، بل تعكس واقع الاقتصاد العالمي الجديد.

تشير أحدث بيانات تقرير بارومتر التعاون العالمي إلى أن التعاون الدولي لم يتوقف، بل تحوّل شكله، مع التركيز على خمسة أبعاد رئيسية: التجارة ورأس المال، الابتكار والتكنولوجيا، المناخ ورأس المال الطبيعي، الصحة والرفاه، والأمن والسلم.

شهدت تجارة السلع العالمية نمواً أبطأ مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، بينما ارتفعت تدفقات الخدمات ورأس المال. ورغم ذلك، أظهرت أبحاث ماكينزي تراجع التجارة بين الدول البعيدة جيوسياسياً، لصالح شركاء أقرب سياسياً.

ملخص أبرز المؤشرات الواردة في التقرير لعامي 2024 و2025

المؤشر الاقتصادي / الجيوسياسي

التغير

الاتجاه العام

المسافة الجيوسياسية للتجارة

انخفاض بنسبة 7% (2017-2024)

 تكتل نحو الحلفاء

 

صادرات الدول النامية والصين (2024)

+276 مليار دولار

 صعود الجنوب

 

واردات أمريكا من الصين (7 أشهر من 2025)

انخفاض بنسبة 20%

 فك ارتباط

 

الاستثمار في مراكز البيانات (2025)

370 مليار دولار

(رقم قياسي)

 طفرة تكنولوجية

 

حصة الصين من الاستثمار الأجنبي (2022-2025)

انخفضت إلى 3% فقط

 هروب رؤوس الأموال

 

قدرات الطاقة الشمسية والرياح (2024)

تضاعفت لتصل إلى 600 جيجاواط

 نمو أخضر

 

المساعدات الصحية العالمية (تقديرات 2025)

انخفاض متوقع بـ 11 مليار دولار

 خطر صحي

 

النازحون قسراً حول العالم

123 مليون شخص

(رقم قياسي)

 أزمة إنسانية

استحوذت الدول النامية على حصة أكبر من صادرات التصنيع بزيادة 5 نقاط مئوية خلال 2024، حيث شكلت الصين أكثر من نصف هذا النمو، ما يعكس تنوع الشبكات التجارية وإعادة توزيع التجارة ضمن تحالفات جديدة.

سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة طفرة في الصناعات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات، وبطاريات السيارات الكهربائية، بينما انخفضت حصة الصين من 9% في الفترة 2015-2019 إلى 3% بين 2022 و2025، مع انتقال جزء كبير من الاستثمارات إلى الاقتصادات المتقدمة.

Globalization is incredibly efficient but also so far incredibly unjust. |  by Ayesha Riaz | Medium

رغم الضغوط الجيوسياسية، ارتفع مؤشر الابتكار والتكنولوجيا بنسبة 3% العام الماضي، مدفوعاً بتنامي حركة البيانات والتجارة الرقمية، وسباق عالمي محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي.

بينما تواصل الدول فرض قيود جمركية وسياسية، تمتد البيانات لتشكل جسوراً غير مرئية تتجاوز الحدود، مع زيادة سعة الإنترنت والاتصال الدولي بنسبة 25% خلال عام واحد، أي أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل ست سنوات.

لكن حركة الكفاءات العالمية تواجه تحديات، بعد انخفاض تأشيرات الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة بنسبة 11% في الربع الأول من 2025، مع تسجيل انخفاضات مماثلة في أستراليا وكندا.

نما التعاون في تمويل المناخ وتجارة السلع منخفضة الكربون، رغم اعتماد كبير على الصين التي تسيطر على نحو 80% من تصنيع التقنيات النظيفة. وفي قطاع الصحة، انخفضت المساعدات الإنمائية بنسبة 6% لتصل إلى 50 مليار دولار في 2024، مع توقعات بانخفاض إضافي في 2025، ما يعزز التوجه نحو اتفاقيات ثنائية على حساب التعاون متعدد الأطراف.

تراجعت مؤشرات السلم والأمن إلى مستويات أدنى من ما قبل الجائحة، مع انخفاض نشاط مجلس الأمن الدولي، في حين زادت دول الناتو إنفاقها الدفاعي لتحقيق هدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025.

في هذا السياق، لم يعد الحوار الدبلوماسي التقليدي كافياً. يحتاج العالم اليوم إلى “تعددية مصغرة” (Minilateralism) مدفوعة بالتحالفات الإقليمية المرنة التي تركز على مصالح محددة، بعيداً عن الجمود المؤسساتي الدولي، لتشكل خارطة طريق جديدة تعكس الاقتصاد العالمي المتغير، حيث يظل كل شيء على حاله عبر تغيير كل شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى