الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار.. عندما تصبح الطاقة هدفًا للتدمير

بينما يسعى العالم إلى استعادة استقراره بعد صدمات اقتصادية وجيوسياسية متتالية، يواجه اليوم تحديًا أشد تعقيدًا: استهداف شرايين الطاقة الحيوية.
لم تعد الهجمات على منشآت النفط والغاز مجرد أحداث عرضية، بل تحولت إلى مؤشرات حقيقية على هشاشة النظام العالمي وقدرته على الصمود أمام الصدمات.
على مدى السنوات الماضية، تكررت الهجمات على محطات النفط والغاز من الشرق الأوسط إلى أوروبا، من ضربات “أرامكو” في بقيق وخريص إلى تخريب خطوط “نورد ستريم” في بحر البلطيق.
كانت الأسواق تعود سريعًا إلى طبيعتها بعد كل حادثة، كما لو كان الاقتصاد يتعافى من حمى عابرة. لكن سلسلة الأحداث الأخيرة تشير إلى نمط أكثر خطورة، قد يقود العالم إلى أزمة طاقة عالمية.

حالات اعتداء وتخريب للبنية التحتية العالمية للطاقة | |
الواقعة والتاريخ | التفاصيل |
هجمات على ناقلات النفط في خليج عُمان يونيو 2019 | – تعرضت ناقلتان لهجوم بألغام وطوربيدات غير متفجرة بالقرب من مضيق هرمز. – ارتفع سعر النفط بنسبة 4% خلال الجلسة، لكن لم تتأثر الإمدادات العالمية. – تم سحب السفن لاحقًا، لكن أسعار الشحن والتأمين ارتفعت بشكل كبير. |
هجوم إلكتروني على خط أنابيب كولونيال مايو 2021 | – نفذت عصابة برامج الفدية “دارك سايد” هجومًا تسبب في إغلاق أكبر خط أنابيب وقود في الولايات المتحدة لمدة خمسة أيام تقريبًا. – أدى ذلك إلى انخفاض تدفقات البنزين والديزل إلى جنوب شرق الولايات المتحدة بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا. – أدى الشراء بدافع الذعر إلى نقص محلي، وارتفعت العقود الآجلة للبنزين في الولايات المتحدة بنحو 20% خلال جلسة 10 مايو قبل أن تستقر لاحقًا. |
الحرب الأوكرانية فبراير 2022 حتى الآن | – أدت العقوبات إلى خفض صادرات النفط الخام الروسي بشكل حاد، وارتفع سعر “برنت” بنحو 50% في مارس 2022 ليصل إلى ما يقارب 139 دولارًا للبرميل (وهو أعلى مستوى له منذ عام 2008) وسط مخاوف من نقص عالمي. – في أغسطس 2025، قصفت أوكرانيا محطة الضخ الخاصة بخط أنابيب دروجبا النفطي في أونيتشا، مما أدى إلى توقف تدفق حوالي 600 ألف برميل يوميًا من النفط إلى المجر وسلوفاكيا لمدة 5 أيام. – تبادل البلدان استهداف منشآت الطاقة منذ اندلاع الصراع. |
حوادث أخرى | أغسطس 2017: تسبب إعصار هارفي في تعطيل أكثر من 30% من عمليات مصافي النفط في خليج المكسيك، أو قرابة 4 ملايين برميل يوميًا من عمليات التكرير، مما أدى إلى ارتفاع كبير في سعر البنزين في الولايات المتحدة. مايو 2019: فجرت جماعات مسلحة خط أنابيب “ترانس نيجر”، مما أدى إلى انخفاض مؤقت في إنتاج نيجيريا بنحو 100 ألف برميل يوميًا. – 2025: شهد اضطرابات متكررة في إمدادات كازاخستان بسبب مشاكل تشغيلية في حقل “تنجيز”، إلى جانب تعطل خط أنابيب بحر قزوين (CPC) بسبب الهجمات الأوكرانية. – أصبحت الهجمات الأوكرانية على البنى التحتية للنفط والغاز التابعة لروسيا متكررة في الأشهر الأخيرة، كما استُهدفت سفن النفط الروسية في المياه الدولية، مع توجيه أصابع الاتهام إلى كييف. – يضاف إلى ذلك سلسلة طويلة من الحوادث الناجمة عن أخطاء تشغيلية أو ظواهر طبيعية مثل الهزات الأرضية والصواعق والعواصف. |
بروفة الخطر الأكبر
- 14 سبتمبر 2019: هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ على معملي “أرامكو” في بقيق وخريص أدى إلى انخفاض إنتاج السعودية بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا، أي نصف إنتاج الشركة تقريبًا.
- ارتفعت أسعار خام “برنت” بنسبة 19.5% خلال يوم واحد، في أكبر ارتفاع يومي منذ حرب الخليج 1991.
- عادت “أرامكو” إلى مستويات الإنتاج الطبيعية في نحو أسبوعين بعد تفعيل خطط الطوارئ، مما هدأ الأسواق مؤقتًا.
أوروبا في مرمى الهجوم
- 26 سبتمبر 2022: انفجارات تحت سطح بحر البلطيق ألحقت أضرارًا كبيرة بخطي أنابيب الغاز “نورد ستريم 1 و2″، مما أدى إلى توقف تدفق الغاز الروسي إلى أوروبا وارتفاع أسعار الغاز في هولندا بنسبة 25–30%.
- امتد أثر الهجوم إلى النفط، حيث ارتفع خام “برنت” بنسبة 3–5%، وأجبر الاتحاد الأوروبي على تفعيل خطط الطوارئ لتجنب نقص الإمدادات.
جائحة الطاقة: تهديد أكبر من “كوفيد-19”
على عكس فيروس كورونا، فإن أزمة الطاقة الحالية لا تسبب مرضًا، بل ندرة تهدد النمو الاقتصادي العالمي:
- كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط تقلل النمو العالمي 0.2% وترفع التضخم 40 نقطة أساس.
- ارتفاع الأسعار إلى 150–200 دولار للبرميل قد يهبط بالطلب العالمي بنسبة 5–10%، ويقود إلى ركود حاد يوازي أو يتجاوز تداعيات “كوفيد-19”.
- الحكومات قد تضطر إلى تقنين الطاقة، العمل والدراسة من المنزل، تقليل ساعات العمل، وفرض قيود على المركبات الثقيلة، مع انخفاض محتمل للناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تتجاوز 2% وارتفاع البطالة.
الاقتصاد العالمي اليوم لا يواجه فيروسًا يمكن احتواؤه، بل صدمة في الطاقة قد توقف الحركة الاقتصادية بأكملها. مع تصاعد الهجمات وتآكل هوامش الأمان، لم يعد السؤال ما إذا كان التعطّل سيحدث، بل إلى أي مدى يمكن للعالم تحمله قبل أن يفرض نقص الطاقة إغلاقًا قسريًا على اقتصاده.




