الاقتصادية

الاستثمار في رعاية كبار السن: تحديات وحلول في عالم يتغير بسرعة

في الماضي، كانت الأسرة تلعب الدور الرئيسي في رعاية كبار السن، لكن مع مرور الزمن وتطور الظروف، أصبح هناك اعتماد متزايد على النظام الصحي والخدمات الاجتماعية التي تقدمها الحكومات.

هذا التحول أثار تساؤلات عديدة حول كيفية تمكن الدول من التعامل مع الزيادة المستمرة في عدد كبار السن، خاصة في ظل شيخوخة السكان.

إن تزايد أعداد كبار السن في العديد من البلدان نتيجة لارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض معدلات الخصوبة، جعل من الإنفاق الحكومي على رعاية هذه الفئة أحد القضايا المحورية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وبحلول عام 2050، يُتوقع أن يتضاعف عدد كبار السن في العالم ليصل إلى نحو 2.1 مليار شخص. وهذا التحول الكبير يطرح تساؤلات حول كيفية تأمين رعاية صحية واجتماعية فعّالة لهم، وهل سيشكل الإنفاق الحكومي عبئًا على الميزانيات العامة أم أنه سيكون فرصة لتحقيق النمو المستدام.

تختلف سياسات الإنفاق الحكومي على كبار السن من دولة إلى أخرى، بناءً على الأولويات الاقتصادية والرؤية الاجتماعية لكل دولة. على سبيل المثال، خصصت السويد في عام 2022 حوالي 2.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، الذي يجاوز 600 مليار دولار، لتقديم خدمات رعاية لكبار السن. في الولايات المتحدة، وصل الإنفاق على الرعاية طويلة الأمد إلى 361 مليار دولار في عام 2020، حيث تم تمويل نحو 230 مليار دولار من مصادر حكومية، والبقية من مصادر غير حكومية.

أما في اليابان، فقد تبنت نظامًا إلزاميًا لتأمين رعاية طويلة الأمد للمواطنين الذين يبلغون 40 عامًا فما فوق، حيث يتم تمويله من خلال الإيرادات الضريبية وأقساط التأمين.

و في إيطاليا، التي تعتبر واحدة من الدول ذات أكبر نسبة شيخوخة، أعلنت الحكومة في يناير 2024 عن خطة لاستثمار أكثر من مليار يورو على مدار عامين لتقديم إعانات لكبار السن من ذوي الدخل المحدود.

الاستثمار في رعاية كبار السن له العديد من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية. فمن خلال توفير الرعاية الصحية والاجتماعية المتكاملة، يمكن تحسين جودة حياة كبار السن وزيادة استقلاليتهم. كما أن هذا الإنفاق يقلل من تكاليف الرعاية الطارئة عن طريق الاستثمار في خدمات الرعاية الوقائية والدعم المنزلي، مما يقلل الحاجة إلى الإقامة في المستشفيات.

علاوة على ذلك، يسهم هذا الاستثمار في تحفيز الاقتصاد من خلال خلق فرص عمل في مجالات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، مما يعزز الطلب على الكوادر الطبية والخدمات المنزلية.

ويؤدي أيضًا إلى نمو الصناعات المرتبطة مثل تصنيع المعدات الطبية والأدوية، بالإضافة إلى تحفيز الابتكار في تقنيات مساعدة كبار السن مثل الأجهزة الذكية.

من ناحية اجتماعية، يساعد الاهتمام بكبار السن على تقليل الفجوات الاجتماعية وتعزيز التضامن بين الأجيال. كما أن الإنفاق على رعاية كبار السن يوفر لهم الفرصة للمشاركة في سوق العمل، وهو ما يتضح من زيادة نسبة كبار السن العاملين في الولايات المتحدة، والتي بلغت 19% في عام 2023 مقارنة بـ 11% في 1987.

دول سيكون لديها النسبة الأعلى من كبار السن الذين يصل عمرهم 65 عامًا فأكثر بحلول 2050

الترتيب

الدولة

النسبة

1

الصين

%40.6

2

كوريا الجنوبية

%39.4

3

اليابان

%37.5

4

إيطاليا

%37.1

5

إسبانيا

%36.6

6

تايوان

%35.3

7

اليونان

%34.8

8

البرتغال

%34.5

 

على الرغم من الفوائد، يواجه الحكومات العديد من التحديات في تمويل رعاية كبار السن. من أبرز هذه التحديات العبء المالي المتزايد نتيجة لزيادة أعداد المسنين، مما يؤدي إلى ضغوط على الميزانيات العامة. بالإضافة إلى ذلك، هناك نقص في الكوادر الطبية المتخصصة في طب الشيخوخة، ما يؤثر على جودة الخدمات.

تتمثل التحديات الأخرى في ضرورة إيجاد توازن بين توفير الرعاية لكبار السن وعدم التأثير سلبًا على الفئات الشابة. كما أن تغير الأنماط الأسرية، مع انخفاض دور العائلات في تقديم الرعاية، يزيد من الاعتماد على خدمات الرعاية الحكومية. وهذا يتطلب من الحكومات تطوير سياسات رعاية شاملة ومرنة.

قدمت العديد من الدول نماذج ناجحة في رعاية كبار السن. ففي الدول الاسكندنافية مثل السويد والدنمارك، توفر الحكومات خدمات صحية مجانية أو منخفضة التكلفة، مع رعاية منزلية ومرافق متقدمة. كما تبنت كندا نظام “الشيخوخة في المكان”، الذي يسمح لكبار السن بالبقاء في منازلهم مع تلقي الرعاية اللازمة.

88b4238a 6beb 4449 96ce aa4c34518a6c Detafour

في أستراليا، تطورت مجتمعات التقاعد التي تشجع أسلوب حياة نشط وصحي، مما يساهم في زيادة السعادة والنشاط البدني لكبار السن. وفي اليابان، يتم تقديم نظام رعاية متكامل يشمل الرعاية الصحية والطبية والخدمات الاجتماعية التي تُقدّم في المنزل أو في منشآت متخصصة.

إن السؤال المطروح حول ما إذا كان الإنفاق الحكومي على رعاية كبار السن يمثل عبئًا أم استثمارًا لا يزال قائمًا. ولكن المؤشرات الحالية تؤكد أن استثمار الحكومات في رعاية كبار السن يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

لذلك، يجب على الحكومات تبني سياسات ذكية ومتوازنة تضمن توفير الرعاية الصحية والاجتماعية مع ضمان الاستدامة المالية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى