الاستثمار الوهمي عبر الإنترنت يستهدف مدخرات المغاربة بوعود الأرباح السريعة

تحولت الوعود بتحقيق أرباح سريعة عبر الإنترنت إلى مدخل تستغله شبكات متخصصة في الاحتيال المالي لاستدراج المواطنين والاستيلاء على مدخراتهم، من خلال عروض استثمارية تبدو في ظاهرها احترافية وموثوقة، لكنها تخفي وراءها مخططات قائمة على التضليل والتلاعب بالثقة.
وتزداد خطورة هذه العمليات مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج مقاطع فيديو مزيفة، تظهر فيها شخصيات معروفة وكأنها تزكي مشاريع استثمارية لا تربطها بها أي علاقة.
وكشفت معطيات أوردتها مصادر جريدة «الصباح» عن تعرض عدد من الأشخاص لعمليات نصب بعدما انجذبوا إلى عروض تعد بمردودية مرتفعة تتجاوز ما توفره وسائل الادخار التقليدية.
ويستغل المحتالون رغبة المدخرين في تنمية أموالهم خلال فترة قصيرة، مقدمين لهم وثائق ومعلومات تهدف إلى إضفاء المصداقية على أنشطتهم وإبعاد الشبهات عن عملياتهم.
ولا تقتصر أساليب هذه الشبكات على الإعلانات المغرية، بل تشمل أيضاً انتحال هوية مؤسسات معروفة واستعمال صور شخصيات بارزة في عالم المال والأعمال، في محاولة لإقناع المستثمرين المحتملين بأنهم أمام فرص حقيقية تخضع لمعايير مهنية وقانونية.
تعتمد عمليات الاستقطاب على إعلانات رقمية مصممة بعناية، تروج لفرص استثمارية وتعد بتحقيق عوائد مهمة مقابل إيداع مبالغ مالية. وتستعين بعض الجهات بمقاطع فيديو مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، تظهر فيها شخصيات معروفة وكأنها تدعو إلى الاستثمار في منصات بعينها أو تشيد بالنتائج التي تحققها.
وبمجرد تفاعل المستخدم مع هذه الإعلانات، يجري توجيهه إلى قنوات تواصل خاصة، حيث يتولى أشخاص ينتحلون صفة مستشارين ماليين شرح تفاصيل الاستثمار المزعوم، مستعينين بوثائق ومعطيات تهدف إلى إقناع الضحية بجدية العرض.
وتبدأ العملية عادة بمبالغ محدودة، قبل أن يعرض القائمون عليها أرباحاً أولية على حساب المستثمر، وقد يسمحون له بسحب جزء منها لكسب ثقته. وبعد نجاح هذه المرحلة، يجري تشجيعه على زيادة قيمة استثماراته تدريجياً، إلى أن يصبح مستعداً للمخاطرة بجزء كبير من مدخراته أو حتى بجميعها.
وبحسب المعطيات المنشورة، لم يقتصر الأمر على توظيف الأموال الشخصية، إذ عمد بعض الضحايا إلى جمع مدخرات أقاربهم ومعارفهم، بعدما اعتقدوا أن الأرباح الأولية التي حصلوا عليها دليل على نجاح الاستثمار.
يشكل إظهار أرباح في المراحل الأولى إحدى الوسائل التي يعتمد عليها المحتالون لتوسيع دائرة ضحاياهم. فالحصول على مبلغ مالي في البداية قد يدفع المستثمر إلى الاعتقاد بأن أمواله تحقق عائداً فعلياً، بينما يمكن أن يكون ذلك جزءاً من خطة مدروسة لحمله على ضخ مبالغ أكبر.
وبعد بناء علاقة من الثقة مع الضحية، يوجهه القائمون على هذه العمليات إلى روابط وقنوات تواصل خاصة، مبررين ذلك بضرورات حماية الحسابات أو ضمان سرية المعاملات. ويتيح هذا الأسلوب استمرار التواصل مع المستثمر بعيداً عن وسائل التحقق الرسمية، مع إبقائه تحت تأثير الوعود بتحقيق مزيد من الأرباح.
وتنكشف الخدعة غالباً عندما يقرر الضحية سحب أمواله أو استرجاع الرصيد الذي يظهر في حسابه. ففي هذه المرحلة، يبدأ المحتالون في تقديم مبررات مختلفة لتأخير التحويل، قبل مطالبته بأداء مبالغ إضافية تحت مسميات من قبيل الضرائب أو عمولات التحويل.
ومع استمرار المطالب المالية، قد يجد المستثمر نفسه مضطراً إلى دفع مبالغ جديدة أملاً في استعادة أمواله، قبل أن تتوقف الاتصالات أو تختفي المنصة التي استُخدمت في العملية.
وعندها، تصبح الخسائر المالية واقعاً يصعب تداركه، وتضاف إليها الضغوط النفسية الناجمة عن فقدان المدخرات واكتشاف التعرض للاحتيال.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن الأشخاص المشتبه في تورطهم في هذه العمليات ينشطون انطلاقاً من بلدان مختلفة، معظمها في إفريقيا، بينما تحمل بعض رسائل التواصل أرقاماً مرتبطة بكندا ودول أوروبية.
ويزيد هذا الامتداد الجغرافي من تعقيد تحديد هوية القائمين على عمليات النصب، خصوصاً مع تعدد الحسابات والأرقام والمنصات المستخدمة.
وفي مواجهة هذه الممارسات، لجأ عدد من المتضررين إلى تقديم شكايات لدى الجهات المختصة، مطالبين بالتحقيق في عمليات الاحتيال التي استهدفتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت.
وتفيد المعطيات المنشورة بأن بعض المنصات الاحتيالية قد تجمع أكثر من 500 ألف درهم يومياً، عندما تنجح في استقطاب أعداد متزايدة من الضحايا. ويظل هذا الرقم مرتبطاً بالمنصات المشار إليها في تلك المعطيات، ولا يمثل تقديراً إجمالياً لحجم الاحتيال المالي الرقمي بالمغرب.
في ظل تطور أساليب الاحتيال الرقمي، أصبح التحقق من هوية الجهة التي تعرض الاستثمار وطبيعة نشاطها خطوة أساسية قبل تحويل الأموال. فوجود اسم مؤسسة معروفة أو صورة شخصية مشهورة أو وثائق تبدو رسمية لا يكفي لإثبات شرعية العرض أو ضمان استرداد الأموال.
ويقتضي التعامل مع هذه الفرص توخي الحذر من الوعود بعوائد مرتفعة ومضمونة خلال فترات قصيرة، فضلاً عن تجنب اتخاذ القرارات المالية تحت ضغط الإغراء أو الخوف من ضياع فرصة استثنائية.
كما ينبغي التحقق من الوضع القانوني للجهة المعنية لدى الهيئات الرسمية المختصة، وعدم اعتبار الأرباح الظاهرة على منصات غير موثوقة دليلاً على وجود نشاط استثماري حقيقي.
وفي حال الاشتباه في التعرض لعملية نصب، تبرز أهمية الاحتفاظ بالإعلانات والمحادثات وإيصالات التحويل وأرقام الحسابات والروابط المستخدمة، مع إشعار المؤسسة المالية المعنية والتوجه إلى الجهات المختصة لتقديم شكاية في أقرب وقت ممكن.
وتسلط هذه العمليات الضوء على المخاطر التي ترافق انتشار الخدمات المالية عبر الإنترنت، حيث أصبحت التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أدوات يمكن توظيفها في التضليل بقدر ما تتيح فرصاً جديدة للاستثمار. وبين إغراء الأرباح السريعة وصعوبة استرداد الأموال بعد تحويلها، يظل التحقق المسبق من مصداقية العروض عاملاً حاسماً لحماية المدخرات من الوقوع في شباك الاحتيال.




