أسواق الأسهم بين السرعة والفرص: لماذا لا يربح الجميع؟

لم تعد أسواق الأسهم مجرد أرقام ورسوم بيانية تتحرك بشكل بطيء وثابت، بل أصبحت ميدانًا ديناميكيًا يتسم بالتقلبات السريعة والانهيارات القصيرة الأمد، حيث يمكن لمستثمر أن يشهد هبوط سهمه بنسبة كبيرة صباحًا ويعود لمستوياته السابقة قبل نهاية العام.
في عصر التداول الرقمي، لم تعد الخسائر الطويلة التي كانت تمتد لعقود أمرًا مألوفًا، بل تحولت الأسواق إلى حلبة سريعة الإيقاع تتفاعل مع كل خبر أو حدث عالمي على الفور.
عند إلقاء نظرة على التاريخ المالي للسوق الأمريكية، يظهر بوضوح أن نمط التقلبات موجود منذ عقود، لكن شدته ومدة تأثيره اختلفت:
انهيار الكساد العظيم 1929: شهد المؤشر تقلبات أسبوعية بلغت 127%، وانخفض داو جونز نحو 90%، واستغرق التعافي 25 عامًا.
الإثنين الأسود 1987: سجل المؤشر قفزات تقلبية بنسبة 130%.
الأزمة المالية العالمية 2008: قفز مؤشر “فيكس” إلى 80 نقطة، واستغرق التعافي حوالي أربع سنوات لاستعادة مستويات إس آند بي 500 السابقة.
جائحة كورونا 2020: انخفض المؤشر بنسبة 34% خلال شهرين، ثم عاد ليحقق مستوى قياسي جديد بعد خمسة أشهر فقط.
تشير هذه الأمثلة إلى أن الأسواق الحديثة تتميز بسرعة أكبر في التعافي حتى بعد انهيارات حادة، مقارنةً بالفترات التاريخية الطويلة.

التحول الرقمي والتكامل العالمي كان لهما الدور الأكبر في هذا التسارع:
ناسداك كانت أول بورصة إلكترونية عام 1971، واليوم معظم البورصات تعمل إلكترونيًا أو هجينيًا، حيث تنفذ الخوارزميات معظم الصفقات بسرعة فائقة.
الأسعار تتفاعل مع الأخبار عالميًا فور صدورها، والتداول أصبح أرخص وأكثر شفافية، ما يسهل حركة رؤوس الأموال عبر الحدود.
آليات مثل وقف التداول خلال انهيار مارس 2020 قللت من الذعر وساهمت في تقليص مدة الانهيارات، وهو إجراء لم يكن متاحًا في 1929.
سرعة تداول المعلومات والتكامل العالمي أسهمت في تغيّر نفسية المستثمرين:
المستثمرون اليوم يميلون إلى إعادة شراء الأسهم التي خسروا فيها بسرعة، مدفوعين بوعي جماعي وفرص التعافي السريع.
تشير الدراسات إلى أن أفضل أيام السوق غالبًا تأتي قريبًا من أسوأ الأيام، ما يعكس قدرة المستثمرين على الاستفادة من الفرص بعد الانهيار، وفق بيانات إنفيسكو.
رغم سرعة التعافي وفرص السوق، تبقى الخسائر جزءًا لا يتجزأ من المعادلة:
إذا حاول الجميع شراء الأسهم عند القاع وبيعها عند القمة، فلن يكون هناك مشترٍ أو بائع، ما يؤدي إلى توقف السوق أو فقاعات مزمنة.
الأسواق تعتمد على تباين المعلومات والصفقات؛ فخسارة أحد المستثمرين تعني مكاسب لآخرين.
بيانات هارتفورد تشير إلى أن تجاهل أفضل أيام التداول يقلص العوائد الإجمالية بشكل كبير، ما يؤكد أن الانخفاضات توفر فرص النمو طويل الأجل.
أسواق الأسهم اليوم أسرع، أكثر تقلبًا، وأقل صبرًا، لكنها تظل ميدانًا للفرص الحقيقية لمن يفهم إيقاعها الجديد. النصر ليس مضمونًا للجميع، والخسارة جزء من النظام، لكن هذا المد والجزر هو الذي يضمن استمرار النمو وتحقيق قيمة فعلية على المدى الطويل.



