أزمة اليوريا تُقلق أستراليا.. ضغوط على الإمدادات الزراعية وسط توترات الشرق الأوسط

في خطوة تعكس حجم القلق المتصاعد من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، أعلنت الحكومة الأسترالية عن تشكيل مجموعة عمل رفيعة المستوى بالتعاون مع قطاع صناعة الأسمدة، بهدف تأمين واردات اليوريا وحماية القطاع الزراعي من تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار الاضطراب في المنطقة إلى تعطيل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة والأسمدة، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 60% من واردات أستراليا من اليوريا، وهي مادة أساسية في الأسمدة النيتروجينية المستخدمة على نطاق واسع في الزراعة.
أكدت وزيرة الزراعة الأسترالية جولي كولينز، في تصريحاتها الأحد، أن البلاد لا تواجه نقصاً فورياً في الإمدادات، موضحة أن الشحنات الحالية ما تزال في طريقها إلى الأسواق المحلية بشكل طبيعي.
لكنها في المقابل حذرت من أن الصورة على المدى المتوسط والطويل تبدو أكثر هشاشة وتعقيداً، في ظل استمرار الضغوط على خطوط الشحن العالمية.
وأشارت كولينز إلى أن أستراليا تعمل حالياً عند المستوى الثاني من خطة الأمن الوطني للوقود المكونة من أربعة مستويات، وهو ما يعكس وجود إمدادات مستمرة، لكن ضمن نظام يتعرض لضغوط متزايدة نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل.
وتزداد حدة المخاطر بسبب محدودية الإنتاج المحلي، إذ لا يُتوقع أن يبدأ أول مشروع رئيسي لإنتاج اليوريا داخل البلاد، وهو مصنع “بيردامان” في غرب أستراليا، الذي تبلغ كلفته نحو 6.5 مليار دولار أسترالي (ما يعادل 4.6 مليار دولار أمريكي)، قبل منتصف عام 2027.
هذا التأخير يترك السوق الأسترالية معتمدة بشكل شبه كامل على الواردات في السنوات القليلة المقبلة، ما يعمّق من هشاشة القطاع الزراعي أمام أي صدمات خارجية، سواء كانت جيوسياسية أو لوجستية.
وتحذر تقديرات وزارة الخزانة الأسترالية من أن أي اضطراب في إمدادات اليوريا قد ينعكس سريعاً على أسعار المواد الغذائية، حيث يُتوقع أن ترتفع أسعار البقالة بنسبة تتراوح بين 3% و4% في الأجل القريب، نتيجة انتقال ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود عبر سلسلة الإنتاج والتوزيع.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة أستراليا كأحد أكبر مصدري القمح ولحوم الأبقار ومنتجات الألبان عالمياً، ما يجعل أي زيادة في تكاليف الإنتاج الزراعي عاملاً مؤثراً ليس فقط على السوق المحلية، بل أيضاً على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية للسلع الزراعية.
من جانبها، أشارت وزيرة البنية التحتية كاثرين كينغ إلى أن الحكومة تستعد لاحتمال استمرار تداعيات اقتصادية طويلة الأمد مرتبطة بالاضطرابات في المنطقة، مؤكدة أن السياسات الحالية يجب أن تأخذ في الاعتبار حالة عدم اليقين العالمية.
وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة حملة توعية وطنية بقيمة 20 مليون دولار أسترالي تحت شعار “كل القليل يساعد”، بهدف تشجيع المواطنين والقطاعات المختلفة على ترشيد استهلاك الوقود والطاقة.
كما تدرس السلطات إعادة النظر في بعض الإصلاحات المخطط لها، بما في ذلك تعديل رسوم استخدام الطرق الوطنية، في ظل ما وصفته الحكومة بأنه “توقيت غير مناسب” لإدخال تغييرات مالية إضافية في بيئة اقتصادية متقلبة.
على المدى البعيد، تسعى أستراليا إلى تقليل اعتمادها على الواردات من خلال تسريع الاستثمار في الكهرباء النظيفة، وتوسيع إنتاج الوقود منخفض الكربون، بما في ذلك وقود الطيران المستدام.
ومع ذلك، تبقى التحديات الفورية قائمة، حيث يظل الاقتصاد الأسترالي، في الوقت الراهن، شديد الارتباط بتطورات الممرات التجارية العالمية، وبشكل خاص ما يتعلق بمفاوضات “فتح الممرات الآمنة” في المنطقة.
وفي ظل استمرار القيود على مضيق هرمز، يحذر خبراء الاقتصاد من سيناريو يجمع بين ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو، وهو ما يعرف بالركود التضخمي، إضافة إلى احتمال حدوث تباطؤ في القطاع الزراعي نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص المدخلات الأساسية.
وبينما يراقب بنك الاحتياطي الأسترالي ووزارة الخزانة هذه التطورات عن كثب، يبقى ملف تأمين الأسمدة والحد من تأثيرات الاضطرابات العالمية أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد في المرحلة المقبلة.




