أزمة الديزل تكشف حدود القوة النفطية الأمريكية وتدفع ترامب نحو موسكو

تضع أزمة الديزل الولايات المتحدة أمام مفارقة في قطاع الطاقة، فبالرغم من مكانتها كأكبر منتج للنفط الخام عالمياً، تواجه البلاد ارتفاعاً حاداً في أسعار الوقود نتيجة اضطراب الإمدادات الدولية وبلوغ المصافي مستويات تشغيلية مرتفعة تحد من قدرتها على زيادة الإنتاج.
وفي ظل تصاعد الضغوط على قطاعات النقل والزراعة والصناعة، اتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البحث عن مصادر إضافية لتأمين احتياجات السوق، بما في ذلك الاستعانة بالإمدادات الروسية عبر تخفيف مؤقت للعقوبات المفروضة على موسكو.
وتسلط هذه التطورات الضوء على تعقيدات سوق الطاقة، حيث لا تتحول وفرة النفط المستخرج بالضرورة إلى كميات كافية من الوقود الجاهز للاستهلاك. فالمسار الممتد من استخراج الخام إلى تكريره وتخزينه ونقله يجعل استقرار الأسعار مرتبطاً بقدرة جميع حلقات سلسلة الإمداد على العمل بكفاءة، وهو ما يفسر استمرار أزمة الديزل رغم ارتفاع الإنتاج الأمريكي.
منذ اندلاع الحرب مع إيران قبل ثمانية أشهر، ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة بنحو 70%، لتقترب من 6.30 دولار للجالون، فيما سجلت المملكة المتحدة مستوى قياسياً بلغ جنيهين إسترلينيين للتر خلال وقت سابق من أكتوبر الجاري.
ولا تتوقف تداعيات هذه الزيادة عند تكاليف التزود بالوقود، بل تمتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على الديزل، خصوصاً النقل البري والزراعة والصناعة. فارتفاع أسعار الوقود يرفع تكلفة نقل البضائع وتشغيل الآليات والمعدات، ما يزيد الضغوط على الشركات ويهدد بانتقال جزء من هذه التكاليف إلى المستهلكين عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وتكتسب الأزمة أهمية سياسية بالنسبة إلى إدارة ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر، إذ يشكل ارتفاع تكاليف الطاقة عاملاً إضافياً قد يؤثر في المزاج الاقتصادي للناخبين وتقييمهم لسياسات الإدارة الأمريكية.

وتزداد المفارقة وضوحاً بالنظر إلى التوقعات التي تشير إلى إمكانية بلوغ إنتاج الولايات المتحدة نحو 13.8 مليون برميل من النفط الخام يومياً خلال عام 2026.
غير أن هذا المستوى القياسي لا يوفر ضمانة لتوافر الديزل بالقدر الكافي، في ظل القيود التي تواجه عمليات التكرير والتراجع المسجل في الإمدادات العالمية من الوقود المكرر.
تكمن إحدى أبرز مشكلات السوق في أن النفط الخام لا يصلح للاستخدام المباشر في الشاحنات والمعدات التي تعمل بالديزل، بل يتعين معالجته داخل المصافي لتحويله إلى مشتقات نفطية مختلفة، تتحدد كمياتها وفق خصائص الخام والتجهيزات التقنية للمنشآت.
ويُنتج برميل النفط الخام، الذي يبلغ حجمه 42 جالوناً، عادة نحو 19 إلى 20 جالوناً من البنزين، وما بين 11 و13 جالوناً من نواتج التقطير منخفضة الكبريت، التي يُستخدم معظمها في إنتاج الديزل وزيت التدفئة، إلى جانب كميات من المنتجات الأخرى، مثل وقود الطائرات والمواد الأولية للبتروكيماويات والأسفلت.
وتفرض هذه العملية حدوداً تقنية على قدرة المصافي على تغيير مزيج المنتجات النهائية، إذ لا يمكن زيادة إنتاج الديزل بصورة غير محدودة من دون التأثير في إنتاج مشتقات أخرى. كما أن توسيع القدرات التكريرية يتطلب استثمارات وتجهيزات إضافية لا يمكن توفيرها بالسرعة التي تفرضها الأزمات المفاجئة.
وفي الولايات المتحدة، بلغ متوسط معدل تشغيل المصافي نحو 96% خلال الربع الثالث، مدفوعاً بارتفاع هوامش أرباح التكرير. ويعكس هذا المستوى اقتراب المنشآت من حدود طاقتها التشغيلية، ما يقلص هامش المناورة المتاح لرفع الإنتاج، حتى مع ارتفاع أسعار الديزل وزيادة الجدوى الاقتصادية لإنتاج كميات إضافية.
وبالتالي، لا ترتبط المشكلة الأمريكية بنقص النفط الخام بقدر ما تتعلق بمحدودية القدرة على تحويله إلى الوقود المطلوب، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السوق وتتراجع فيه مرونة الإمدادات الخارجية.

تزامنت أزمة الديزل الأمريكية مع اضطرابات واسعة في سوق الطاقة الدولية، شملت تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتضرر بعض قدرات التكرير، فضلاً عن تراجع نشاط منشآت روسية نتيجة الهجمات الأوكرانية وأعمال الصيانة.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، سجل «جولدمان ساكس» تراجعاً في الإنتاج العالمي للديزل على مدى سبعة أشهر متتالية، فيما انخفضت الصادرات المنقولة بحراً بنحو 1.4 مليون برميل يومياً، أي بنسبة 20% على أساس سنوي.
كما تراجعت المخزونات الأمريكية بنحو 14% والصينية بنسبة 11% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتُظهر بيانات شركة «كبلر» لشهر شتنبر 2026، مقارنة بمتوسط عام 2025، انخفاض صادرات الديزل من الشرق الأوسط ودول الخليج بنسبة 0.8%، ومن روسيا بنسبة 0.7%. في المقابل، ارتفعت صادرات الولايات المتحدة بنحو 0.3%، فيما سجلت بقية دول العالم زيادة بنسبة 0.2%.
وتعكس هذه التطورات صعوبة تعويض النقص في الإمدادات عندما تتزامن اضطرابات الإنتاج والنقل مع انخفاض المخزونات وارتفاع الحاجة إلى الوقود المكرر، ما يزيد المنافسة بين الأسواق المستوردة على الكميات المتاحة.
وفي آسيا، ساهمت السياسة الصينية في زيادة حالة عدم اليقين، بعدما جمدت بكين تراخيص تصدير الوقود لفترة، عقب السماح بزيادة الشحنات خلال الصيف مع اشتراط الحفاظ على مستويات مرتفعة من المخزونات المحلية.
ورغم التوجه نحو استئناف صادرات الوقود المكرر خلال أكتوبر، فإن تقلب القرارات الصينية دفع الأسواق الآسيوية إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين احتياجاتها.
أما أوروبا، فتواجه بدورها قيوداً هيكلية، نتيجة تراجع قدراتها التكريرية تدريجياً على مدى نحو 15 عاماً، الأمر الذي يحد من قدرتها على زيادة الإنتاج بسرعة لتعويض النقص في الأسواق العالمية.
أمام تصاعد الضغوط على سوق الديزل، اتجه ترامب إلى البحث عن مخرج سريع عبر زيادة الإمدادات الروسية، في خطوة تعكس أولوية تأمين الوقود وتخفيف ارتفاع الأسعار.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، توصل الرئيس الأمريكي إلى تفاهم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في التاسع من أكتوبر، بشأن ضخ كميات إضافية من الديزل في الأسواق، بالتزامن مع تخفيف مؤقت للعقوبات الأمريكية لتسهيل وصول الشحنات.
وتضمنت الكميات المعلنة توريد أكثر من 300 ألف طن بصورة فورية، تليها شحنة بنحو 500 ألف طن خلال نونبر، ثم مليون طن إضافي. كما تحدث الجانب الروسي عن إمكانية رفع الصادرات بنهاية العام إلى ما بين ثلاثة ملايين و3.5 مليون طن شهرياً، في مسعى لاستعادة مستويات ما قبل الأزمة.
غير أن هذه الإمدادات، حتى في حال تنفيذها بالكامل، لا تعني بالضرورة انتهاء الاختلالات التي تضغط على السوق. وتشير التقديرات الواردة إلى أن الكميات المعلنة تعادل نحو 36 مليون برميل، وهو حجم يغطي قرابة 23 يوماً فقط من الصادرات المفقودة.
وتبقى فعالية هذه الخطوة مرتبطة بمدى انتظام الشحنات وسرعة وصولها، فضلاً عن قدرة المصافي الروسية على توفير كميات إضافية في ظل التحديات التشغيلية التي تواجهها.
وفي هذا السياق، حذر «جولدمان ساكس» من أن تعطل بعض المنشآت الروسية وارتفاع أعمال الصيانة قد يحدان من قدرة موسكو على زيادة الإمدادات بالسرعة المطلوبة.
كما أن وصول الشحنات بعد مرور ذروة الضغوط على السوق قد يقلل من تأثيرها المباشر في الأسعار، ما يجعل التحرك الروسي أقرب إلى وسيلة لتخفيف حدة الأزمة على المدى القصير، بدلاً من معالجة أسبابها الهيكلية.
توضح أزمة الديزل أن أمن الطاقة لا يتحدد بحجم الإنتاج النفطي وحده، بل يعتمد كذلك على توافر طاقات التكرير والمخزونات الكافية واستمرارية طرق النقل والتجارة الدولية.
فحتى الدول الكبرى المنتجة للنفط تظل عرضة لارتفاع الأسعار عندما تتعطل إمدادات المشتقات النفطية أو تصل المصافي إلى حدودها التشغيلية.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد تساهم الشحنات الروسية في تخفيف الضغوط على السوق خلال الفترة المقبلة، لكنها لن تكون كافية بمفردها لإنهاء الأزمة ما دامت اضطرابات الإمدادات العالمية والقيود التكريرية مستمرة.
كذلك، فإن عودة تدفقات الوقود إلى مستويات أفضل لا تعني تراجع الأسعار بصورة فورية، لأن إعادة بناء المخزونات التي استُنزفت خلال الأشهر الماضية ستحتاج إلى وقت وكميات إضافية، حتى بعد تحسن ظروف الإمداد.
وتكشف هذه الأزمة في نهاية المطاف أن امتلاك النفط لا يعادل بالضرورة امتلاك القدرة على ضمان استقرار سوق الوقود، وأن كفاءة التكرير والتخزين والنقل تشكل عناصر أساسية في منظومة أمن الطاقة.
وبينما تراهن واشنطن على الإمدادات الروسية لاحتواء الضغوط الحالية، سيظل استقرار سوق الديزل رهيناً بعودة التوازن بين العرض والطلب واستعادة مرونة سلاسل الإمداد العالمية.




