الاقتصادية

وهم المؤشرات.. حقيقة الاقتصاد الذي ينمو على الورق ويعاني في الواقع

بينما تتلألأ شاشات التداول في وول ستريت بأرقام قياسية لمؤشرات الأسهم، يعيش المواطن الأمريكي العادي واقعًا مختلفًا تمامًا. العائلات تكافح لإدارة ميزانياتها وسط ديون بطاقات ائتمان تجاوزت تريليون دولار وفوائد مصرفية مرتفعة، بينما يحتفل المستثمرون بمكاسب سوقية مدفوعة بالثورة الرقمية وقطاع الذكاء الاصطناعي.

مع مطلع 2026، واصلت البورصة الأمريكية مكاسبها، في حين أظهرت المؤشرات الاقتصادية اليومية صعوبات ملموسة.

ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.4% خلال يناير، لكن معدل البطالة ظل عند 4.3% والتضخم عند 2.7%، ما يعكس استمرار الضغوط على الأسر الأمريكية.

هذا التباين ليس محليًا فقط؛ فالأمر يتكرر عالميًا. في أوروبا، ارتفعت أسواق الأسهم رغم ركود التصنيع وضعف الطلب الداخلي، فيما أظهرت بورصات آسيا تفاؤلًا يتجاوز أحيانًا أداء شركات التصدير نفسها.

أحد أسباب الانفصال يكمن في تركيز الأرباح في شركات محددة. شركات التكنولوجيا الكبرى مثل آبل ومايكروسوفت، وعملاقة الرقائق مثل إيه إس إم إل في هولندا وطوكيو إلكترون في اليابان، دفعت مؤشرات الأسهم إلى مستويات قياسية متجاهلة ضعف القوة الشرائية للمستهلكين المحليين.

في اليابان، سجل مؤشر نيكاي 225 مستوى تاريخيًا عند 57,000 نقطة رغم انكماش الاستهلاك المحلي بنسبة 0.5% على أساس سنوي. وفي ألمانيا، ارتفع مؤشر داكس بنسبة 6% في يناير، بينما يعاني قطاع التصنيع بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الطلب الصيني.

The Real Story Behind Inflation.

تعتمد الأسواق المالية بشكل كبير على التوقعات المستقبلية، خصوصًا احتمال خفض الفائدة من البنوك المركزية الكبرى. في الولايات المتحدة، رغم تثبيت الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة عند 3.5%-3.75%، يراهن المستثمرون على خفض محتمل خلال الأشهر المقبلة.

وفي أوروبا، بدأت الأسواق تثمن انخفاض الفائدة المحتمل للبنك المركزي الأوروبي، متجاهلة بعض التأثيرات الهيكلية للفوائد المرتفعة في 2024–2025.

يواجه العالم اليوم ما يسميه الاقتصاديون “جدار استحقاق الديون العالمي”، مع ضرورة إعادة تمويل ديون بقيمة 5.2 تريليون دولار خلال 2026 لشركات في الولايات المتحدة وأوروبا والأسواق الناشئة. الأسواق الناشئة مثل الهند والبرازيل تحقق أداءً جيدًا في البورصة، لكنها تواجه ضغوطًا هائلة على ميزانياتها الحكومية بسبب ضعف العملة وارتفاع تكاليف خدمة الدين.

الشركات الكبرى بدأت 2026 بميزانيات قوية بعد تثبيت ديون طويلة الأجل بأسعار منخفضة، ما حافظ على هوامش أرباحها. في المقابل، يعاني المستهلك الأمريكي: إجمالي أرصدة بطاقات الائتمان وصل إلى 1.18 تريليون دولار، ومعدل الادخار الشخصي تراجع إلى مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية 2008.

Most say they are worse off than four years ago: Gallup : r/economy

هذا التباين يظهر جليًا في قطاع التجزئة، حيث حافظت العلامات الراقية مثل LVMH وآبل على متانتها، بينما تكبدت المتاجر المتوسطة والمنخفضة التكلفة خسائر، مع إفلاس ساكس جلوبال إنتربرايزس في يناير 2026 كتحذير مبكر.

الوضع الاقتصادي يتخذ شكلًا يشبه حرف K: أعلى 20% من السكان يستفيد من ارتفاع الأصول، بينما النصف الأدنى يعاني ركودًا صامتًا. وبما أن مؤشرات الأسهم تتركز على الشركات التي تخدم الأغنياء، فإن الصورة السوقية تبدو أكثر إشراقًا من الواقع الذي يعيشه غالبية الناس.

السوق المالي يستطيع تجاهل تباطؤ الإنتاج لفترة، لكنه لا يستطيع تجاهل تراجع التدفقات النقدية. اليوم، لم تعد المؤشرات تعكس الواقع الحالي، بل المزاج الجماعي للمستثمرين تجاه المستقبل، مؤكدة أن الاقتصاد الفعلي يعاني بينما السوق يحتفي بتوقعات النمو الرقمي والسياسات المستقبلية للبنوك المركزية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى