اقتصاد المغربالأخبار

وفرة في التصدير وغلاء في الأسواق.. مفارقة تضع السياسة الفلاحية تحت المجهر

عاد الجدل بشأن السياسة الفلاحية في المغرب إلى الواجهة مع استمرار ارتفاع أسعار عدد من الخضروات الأساسية، في وقت تواصل فيه الصادرات الفلاحية تسجيل أداء قوي في الأسواق الخارجية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الإنتاجية على تحقيق التوازن بين تعزيز الصادرات وضمان وفرة المنتجات بأسعار مناسبة داخل السوق الوطنية.

ويحقق القطاع الفلاحي المغربي نتائج إيجابية على مستوى التصدير، مدفوعاً بالإقبال المتزايد على الخضروات والفواكه المغربية في الأسواق الأوروبية والإفريقية، بفضل جودتها العالية وتنافسيتها. غير أن هذا النجاح الخارجي يتزامن مع تقلبات متواصلة في أسعار منتجات أساسية مثل الطماطم والبطاطس والبصل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية.

ويرى متابعون أن تنامي الصادرات يشكل مكسباً مهماً للاقتصاد الوطني من خلال توفير العملة الصعبة وتعزيز مكانة المغرب ضمن كبار مصدري المنتجات الفلاحية، إلا أنهم يشددون على أن الحفاظ على استقرار السوق المحلية ينبغي أن يظل أولوية موازية، بما يضمن تزويد المستهلكين بالمنتجات الأساسية بأسعار معقولة.

وفي المقابل، يبرز تحدي تدبير الموارد المائية باعتباره أحد أبرز الملفات المرتبطة بمستقبل القطاع، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وتراجع المخزون المائي. ويؤكد مختصون أن التوسع في الزراعات الموجهة للتصدير، خصوصاً تلك التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، يستدعي اعتماد سياسات أكثر توازناً تراعي متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

كما تلعب مسالك التسويق دوراً مهماً في ارتفاع الأسعار، إذ تمر المنتجات الزراعية عبر سلسلة من الوسطاء قبل وصولها إلى المستهلك، ما يؤدي إلى زيادات متتالية في الأسعار تفوق في كثير من الأحيان كلفة الإنتاج. ويعتبر مهنيون أن إصلاح أسواق الجملة، وتنظيم سلاسل التوزيع، والحد من المضاربة، من بين الإجراءات الكفيلة بتحسين شفافية السوق وتقليص الفوارق السعرية.

ورغم اتخاذ السلطات في بعض المناسبات إجراءات مؤقتة، من قبيل تقييد تصدير بعض المنتجات أو تشديد المراقبة على الأسواق، فإن خبراء يرون أن هذه التدابير تظل محدودة الأثر ما لم تندرج ضمن إصلاح شامل يستهدف تطوير منظومة الإنتاج والتسويق وتعزيز آليات ضبط السوق.

ويؤكد مختصون أن نجاح الصادرات لا يتعارض مع ضمان الأمن الغذائي، إذا ما تم اعتماد سياسة توازن بين تلبية حاجيات السوق الوطنية وتوجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية، بما يحافظ على تنافسية المنتجات المغربية ويحد من التقلبات التي تعرفها الأسعار محلياً.

ومع تزايد التحديات المناخية والضغوط الاقتصادية، تبرز الحاجة إلى نموذج فلاحي أكثر استدامة، يقوم على ترشيد استخدام الموارد المائية، وتحسين الإنتاجية، وتطوير البنيات اللوجستية، وإصلاح قنوات التسويق، بما يضمن استمرار نجاح الصادرات المغربية، وفي الوقت ذاته يعزز استقرار الأسواق الداخلية ويحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى