اقتصاد المغربالأخبارالاقتصادية

مفارقة القوة: لماذا يبقى المغرب رهينًا لاستقرار الخليج رغم سيطرته على الفوسفاط العالمي؟

وسط تصاعد الصراعات الدولية وتذبذب أسواق الطاقة والغذاء، يجد المغرب نفسه في موقف مزدوج: لاعب رئيسي في سوق الأسمدة العالمية، لكنه في الوقت نفسه معرض مباشرة لصدمات الإمدادات العالمية التي تهدد استقرار القطاع الزراعي والأمن الغذائي.

على الورق، يبدو المغرب رابحًا من ارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة الفوسفاطية، خصوصًا بعد أن تجاوزت صادراته إلى الاتحاد الأوروبي العام الماضي الواردات الروسية بنسبة 19%، مسجلة أكثر من 10 مليارات دولار.

فالمملكة، التي تمتلك نحو 70% من احتياطيات الفوسفاط المؤكدة عالميًا، تنتج سنويًا أكثر من 12 مليون طن من الفوسفاط ومشتقاته عبر المكتب الشريف للفوسفاط، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في السوق العالمية.

لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيدًا، إذ أن استمرار المغرب في تلبية هذا الطلب المرتفع مرتبط بشكل مباشر بتأمين إمدادات مادة الكبريت المستوردة من الخليج، خاصة السعودية والإمارات وقطر، والتي تدخل في صناعة الأسمدة الفوسفاطية.

وحذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (“الفاو”) من أن النزاع في الخليج تسبب بأحد أسرع وأعنف اضطرابات تدفق السلع عالميًا، مع انعكاسات مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي وأمن الغذاء الدولي.

وأوضح ماكسيمو توريرو، رئيس الخبراء الاقتصاديين في “الفاو”، أن نحو 30% من تجارة الأسمدة الدولية تمر عبر مضيق هرمز، الذي يعبره أيضًا 20 مليون برميل نفط يوميًا و20% من الغاز الطبيعي المسال في العالم.

هذا الوضع يجعل المغرب، باعتباره أكبر منتج للأسمدة الفوسفاطية، عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار والاضطرابات في سلاسل الإمداد.

المعاناة لا تقتصر على الكبريت؛ فالغاز الطبيعي، الضروري لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، يشهد ارتفاعًا متوقعًا في أسعاره خلال النصف الأول من العام الحالي، ما يزيد الضغوط على المزارعين بين تكلفة الأسمدة، الوقود، والري، مع انعكاسات محتملة على أسعار الغذاء محليًا وعالميًا.

تقرير معهد الشرق الأوسط يشير إلى أن المغرب يتأثر أكثر من خلال الصدمات الاقتصادية الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، رغم أن المخاطر الأمنية المباشرة أقل حدة. فالاضطرابات العالمية في أسواق الغذاء والطاقة تفرض ضغوطًا مالية، تضخمًا، وقد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية إذا استمرت.

الاضطرابات تنتقل عبر قناتين رئيسيتين: ارتفاع أسعار الأسمدة الذي يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الطاقة الذي يزيد فاتورة الواردات ويغذي التضخم. لذا أصبح تعزيز الصمود الاقتصادي ضرورة عبر تحسين حكامة القطاعات الحيوية مثل الفلاحة والطاقة، وتنويع الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية.

ويستورد المغرب نحو نصف الكبريت المستخدم في صناعة الفوسفاط من الخليج، إضافة إلى شحنات من كازاخستان عبر بحر قزوين والبحر الأسود.

كما أبرم في 2024 اتفاقية عشرية مع قطر لاستيراد 7,5 ملايين طن من الكبريت. غير أن أي اضطراب في مضيق هرمز، حتى لو لم يوقف الإمدادات بالكامل، قد يعرقل جزءًا كبيرًا منها، ويرفع الأسعار، ما يضغط على الصادرات المغربية نحو الهند وأمريكا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء، ويؤثر على أسواق الغذاء عالميًا.

في خضم هذه التحديات، يظهر المغرب أمام اختبار حقيقي في قدرته على إدارة صدمات الإمدادات العالمية، وحماية أمنه الغذائي والاقتصادي، في ظل عالم يزداد اضطرابًا وتعقيدًا.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى