كيف استعادت ليجو بريقها بعد خسائر بمليارات الكرونات بفضل العودة إلى جذورها؟

قد يتحول النجاح إلى نقطة ضعف عندما تدفع الرغبة في التوسع الشركات إلى الابتعاد عن الأنشطة التي صنعت شهرتها، وهو ما عاشته شركة ليجو الدنماركية مطلع الألفية الجديدة، حين وجدت نفسها أمام أزمة مالية حادة رغم مكانتها العالمية في صناعة الألعاب.
فبعد سنوات من التوسع في قطاعات متعددة، باتت الشركة مطالبة بإعادة النظر في استراتيجيتها، بعدما ارتفعت التكاليف وتراجعت الإيرادات، لتصبح العودة إلى مكعبات البناء التي صنعت هويتها نقطة الانطلاق نحو استعادة التوازن.
وكشفت النتائج المالية حجم الصعوبات التي واجهتها الشركة، إذ بلغت خسائرها نحو 1.93 مليار كرونة دنماركية، ما يعادل حوالي 322 مليون دولار، خلال عام 2004، بعدما سجلت خسائر قدرها 935 مليون كرونة في 2003.
كما تراجعت إيراداتها من نحو 10.12 مليار كرونة سنة 2002 إلى 6.70 مليار كرونة بعد عامين، في مؤشر على اتساع الفجوة بين طموحات التوسع والقدرة على تحقيق عوائد مستدامة.
ولم تكن الأزمة مرتبطة بتراجع شهرة العلامة التجارية، بقدر ما ارتبطت بتعدد الأنشطة التي دخلتها الشركة، من المتنزهات الترفيهية إلى الملابس وألعاب الفيديو، بالتزامن مع تزايد تعقيد عمليات الإنتاج والتخزين وارتفاع تكاليف إدارة مجموعاتها.
وأمام هذا الوضع، اختارت ليجو إعادة ترتيب أولوياتها، عبر التخلي عن بعض الأنشطة والأصول، وتقليص التعقيدات التشغيلية، وتوجيه مواردها مجدداً نحو نشاطها الأساسي.
وقد شكل هذا التحول بداية مسار جديد مكنها من تجاوز الأزمة واستعادة النمو، وصولاً إلى تسجيل إيرادات قياسية في السنوات الأخيرة.
انطلقت قصة ليجو عام 1932، عندما أسس الدنماركي أولي كيرك كريستيانسن ورشة متخصصة في صناعة الألعاب الخشبية، قبل أن تتجه الشركة لاحقاً إلى البلاستيك وتطور مكعبات البناء التي أصبحت رمزاً لها.
وفي عام 1958، قدمت التصميم الشهير الذي يسمح بتركيب القطع وفصلها، مع إمكانية الجمع بين المجموعات المختلفة لصناعة أشكال متنوعة.
وتميز هذا النظام بقدرته على تجديد تجربة اللعب باستمرار، إذ لم يكن الطفل يشتري لعبة ذات استخدام واحد، بل مجموعة من القطع التي يمكن إعادة توظيفها في بناء منازل ومدن ومركبات وأشكال لا حصر لها. كما أن توافق القطع القديمة مع المجموعات الجديدة شجع المستهلكين على مواصلة الشراء وتوسيع إمكانات البناء.
غير أن انتشار ألعاب الفيديو وتغير اهتمامات الأطفال خلال تسعينيات القرن الماضي دفعا الإدارة إلى البحث عن مجالات جديدة للنمو، خشية أن تفقد المنتجات التقليدية جاذبيتها أمام المنافسة المتزايدة.

وفي هذا الإطار، وسعت الشركة حضورها في مجالات مختلفة، من المتنزهات الترفيهية التي تعود بدايتها إلى افتتاح أول «ليجولاند» عام 1968، إلى الملابس والساعات والألعاب الإلكترونية، فضلاً عن تطوير منتجات تسعى إلى منافسة الألعاب الجاهزة وشخصيات الحركة.
لكن الرهان على استثمار قوة العلامة التجارية في قطاعات متعددة لم يحقق النتائج المنتظرة، بل أدخل الشركة في أنشطة تتطلب خبرات واستثمارات مختلفة، وأدى إلى تشتت الموارد والجهود بعيداً عن نشاطها الأساسي.
لم تتوقف آثار التوسع عند دخول مجالات جديدة، بل امتدت إلى عمليات التصميم والإنتاج داخل مصانع ليجو، حيث أدى تنويع المجموعات إلى زيادة عدد القطع والألوان والأشكال المستخدمة.
وبحسب دراسة تناولتها كلية هارفارد للأعمال، ارتفع عدد العناصر المختلفة التي تستخدمها الشركة من نحو 6 آلاف عنصر عام 1997 إلى أكثر من 14 ألفاً بحلول 2004، فيما زاد عدد الألوان من ستة إلى 50 لوناً.
وكان لكل قطعة جديدة أثر مباشر على التكاليف، إذ يتطلب إنتاجها قوالب وتجهيزات خاصة، إلى جانب التخزين والنقل والتنبؤ بحجم الطلب. ومع اتساع قاعدة العناصر، ازدادت صعوبة إدارة المخزون وتنسيق عمليات الإنتاج، بينما لم تكن المبيعات الإضافية كافية دائماً لتعويض النفقات المتزايدة.
كما ساهم تراجع الطلب على بعض المجموعات وتقلب أداء المنتجات المرتبطة بالأفلام في زيادة الضغوط المالية، لتجد الشركة نفسها أمام نموذج تشغيلي أكثر تعقيداً وأقل قدرة على تحقيق الأرباح.
وبذلك، لم تعد المشكلة تكمن في نقص الأفكار أو المنتجات، وإنما في صعوبة إدارة هذا التنوع وتحويله إلى قيمة تجارية مستدامة.
في عام 2004، تولى يورغن فيغ كنودستورب قيادة ليجو، ليبدأ مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة. وكان كنودستورب، الذي لم ينحدر من العائلة المؤسسة للشركة، قد اكتسب خبرة داخل المؤسسة مكنته من الوقوف على أسباب تراجع أدائها.
وبدلاً من التركيز على إطلاق مزيد من المنتجات أو البحث عن أسواق جديدة، اتجهت الإدارة إلى مراجعة الأنشطة القائمة، وتقليص النفقات، وتخفيف التعقيد التشغيلي، مع إعادة توجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تمتلك فيها الشركة خبرة وميزة تنافسية واضحة.
ومن أبرز القرارات التي اتخذتها ليجو التخلي عن السيطرة على متنزهات «ليجولاند». ففي عام 2005، باعت أربعة متنزهات ضمن صفقة بلغت قيمتها 375 مليون يورو، مع احتفاظها بحصة أقلية في الشركة الجديدة المشغلة لها.
وساعدت هذه الخطوة على توفير السيولة وتقليص الأعباء المالية، بالتوازي مع مراجعة أصول وأنشطة أخرى لم تعد تتماشى مع استراتيجية الشركة الجديدة.
وفي قطاع الإنتاج، شددت ليجو ضوابط تطوير القطع الجديدة، وعملت على تقليص عدد العناصر المستخدمة في مجموعاتها بأكثر من النصف، وفق المعطيات الواردة في المادة الأصلية. وكان الهدف الحد من التكاليف غير الضرورية، دون التضحية بجودة المنتجات أو قدرتها على توفير تجارب لعب مبتكرة.
كما أعادت الشركة التركيز على مجموعاتها الأساسية، مثل «ليجو سيتي» و«دوبلو»، باعتبارها جزءاً من هويتها التجارية التي راكمت بها خبرة طويلة وثقة واسعة لدى المستهلكين.
لم تكن العودة إلى النشاط الأساسي تعني الانغلاق على المنتجات التقليدية، بل إعادة توجيه الابتكار نحو المجالات التي تعزز تجربة البناء وتستفيد من شهرة العلامة التجارية.
وفي هذا السياق، شكلت الشراكات واتفاقيات الترخيص المرتبطة بأعمال سينمائية شهيرة، مثل سلسلة «حرب النجوم»، فرصة لابتكار مجموعات جديدة تجمع بين شعبية الشخصيات والقصص المعروفة وإمكانية إعادة تركيبها باستخدام مكعبات ليجو.
وبهذه المقاربة، استطاعت الشركة توسيع قاعدة عملائها والاستفادة من أسواق ترفيهية جديدة، مع الحفاظ على ارتباط منتجاتها بنظام البناء الذي يميزها، بدلاً من التوسع في أنشطة منفصلة تتطلب موارد وخبرات مختلفة.
وساهم هذا التوجه في تحقيق توازن أفضل بين الإبداع والانضباط المالي، إذ أصبحت القرارات المتعلقة بتطوير المنتجات تأخذ في الاعتبار جاذبيتها للمستهلك، إلى جانب تكاليف إنتاجها وقدرتها على تحقيق عوائد مناسبة.
بدأت نتائج إعادة الهيكلة تظهر خلال فترة وجيزة، ففي عام 2005، سجلت ليجو أرباحاً صافية بلغت 505 ملايين كرونة دنماركية، بعدما تكبدت خسائر تجاوزت 1.9 مليار كرونة في العام السابق، فيما ارتفعت إيرادات أنشطتها المستمرة بنسبة 12%، وفق الأرقام الواردة في النص الأصلي.
وبحلول عام 2008، بلغت إيرادات الشركة 9.53 مليار كرونة دنماركية، فيما وصل صافي الربح إلى 1.35 مليار كرونة، مدعوماً بنمو مبيعات مجموعات البناء التقليدية.
ولم يتوقف مسار التعافي عند استعادة الاستقرار المالي، بل واصلت ليجو توسيع أعمالها وتطوير منتجاتها والاستفادة من قوة علامتها التجارية. وفي عام 2025، أعلنت تحقيق إيرادات قياسية بلغت 83.5 مليار كرونة دنماركية، وأرباح تشغيلية وصلت إلى 22 مليار كرونة، وفق المعطيات الواردة في المادة الأصلية.
وعلى الرغم من عودتها إلى مجالات الألعاب الرقمية والأفلام والتجارب الترفيهية، فإن هذه الأنشطة أصبحت أكثر ارتباطاً بعالم ليجو ومنتجاتها الأساسية، بما يسمح للشركة بالاستفادة من فرص النمو دون تكرار مشكلات التوسع غير المنضبط.
تقدم تجربة ليجو مثالاً على المخاطر التي قد تواجه الشركات عندما تتحول استراتيجية التوسع إلى غاية في حد ذاتها، بعيداً عن القدرات الأساسية التي تمنحها تفوقها في السوق.
فالتنوع لا يضمن النجاح تلقائياً، كما أن امتلاك علامة تجارية قوية لا يكفي وحده لإنجاح أنشطة جديدة لا تتناسب بالضرورة مع خبرة المؤسسة.
وقد أظهرت الأزمة أن الميزة الحقيقية لليجو لم تكن في قدرتها على دخول أكبر عدد ممكن من القطاعات، بل في نظام البناء الذي يمنح منتجاتها قيمة متجددة، ويتيح للمستهلك العودة إليها وتطويرها باستمرار.
ولذلك، لم يكن إنقاذ الشركة مجرد عملية لخفض النفقات وبيع الأصول، بل تحولاً في فلسفة الإدارة، انتقلت بموجبه من مطاردة فرص التوسع المتعددة إلى اختيار الاستثمارات التي تنسجم مع هويتها وتدعم نشاطها الأساسي.
وهكذا، لم تستعد ليجو مكانتها عبر التخلي عن الابتكار، وإنما عبر إعادة توجيهه نحو ما تتقنه، لتؤكد أن النمو المستدام لا يرتبط دائماً بالتوسع في اتجاهات جديدة، بل قد يبدأ أحياناً بإعادة اكتشاف ما جعل الشركة ناجحة منذ البداية.




