الاقتصادية

كاليفورنيا والذهب.. الحلم الذي قلب وجه أمريكا

كان الذهب مجرد مسحوق معدني، لكن تأثيره كان أشبه بالبرق؛ فقد قلب حياة المدن، وأغرى مئات الآلاف ببيع ممتلكاتهم وترك منازلهم، طامحين في ثروة لم يسبق لها مثيل. في شتاء عام 1848، لم تكن الأخبار العادية كافية لوقف هذا الزخم، بل كانت مجرد قارورة من المعدن النفيس كافية لتبدأ أكبر موجة هجرة عرفتها الولايات المتحدة.

في 24 يناير 1848، اكتشف المهاجر السويسري جون ساتر الذهب في منشرته قرب كولوما. الخبر انتشر ببطء، وكان الأمريكيون متشككين في البداية، حتى خرج رجل الأعمال سام برانان إلى شوارع سان فرانسيسكو حاملاً قارورة من الذهب ليؤكد الحقيقة.

بحلول الصيف، كانت المدن خاوية على عروشها، حيث ترك الرجال أعمالهم وانطلقوا نحو المناجم، وتبعتهم موجات من المهاجرين من المكسيك، الصين، بيرو، تشيلي، وحتى جزر هاواي.

الذهب لم يكن مجرد معدن؛ بل كان وعدًا بمستقبل جديد. دفع الاقتصاد الأمريكي نحو توسع هائل، وأسهم في إطلاق مشاريع ضخمة مثل خط السكة الحديد العابرة للقارة، مؤسسًا لبنية تحتية وطنية ستظل حجر أساس للتطور الصناعي لاحقًا.

قبل اكتشاف الذهب، كانت كاليفورنيا تحت الحكم المكسيكي، يقطنها نحو 6,500 من الكاليفورنيين من أصول إسبانية أو مكسيكية، و700 أجنبي، وما يقارب 150 ألف من السكان الأصليين، الذين انخفض عددهم منذ وصول الإسبان.

بعد الحرب الأمريكية–المكسيكية (1846–1848)، أصبحت كاليفورنيا تحت السيطرة الأمريكية، دون أن يدرك أحد أن الكنز كان مدفونًا تحت التراب.

لم يكن الطريق إلى الذهب مفروشًا بالورود. فقد خسر الباحثون أظافرهم، أصيبوا بالأمراض، وعانوا من سوء التغذية، بينما راح آخرون ضحية الحوادث أو الظروف القاسية.

ومع ذلك، استمرت الهجرة، وظهرت بلدات جديدة بأسماء غريبة مثل «هانغتاون» و«سكر فلات» و«بار القتلة»، حتى تحول ميناء سان فرانسيسكو الصغير إلى مدينة نابضة بالحياة والفرص.

لم يكن الذهب متاحًا للجميع؛ ومع تصاعد المنافسة، لجأ بعض عمال المناجم إلى العنف ضد الجنسيات الأخرى، فيما دفع السكان الأصليون الثمن الأعلى، إذ توفي نحو 120 ألفًا بسبب المرض والجوع والعنف.

ومع نفاد الذهب السطحي، اختفت أحلام الثراء الفردي، وحلت شركات التعدين الكبرى محل المغامرين، مستخدمة تقنيات متقدمة مثل التعدين الهيدروليكي، الذي استخرج كميات هائلة من الذهب، لكنه دمّر البيئة وأغرق الأراضي الزراعية بالرسوبيات.

بحلول الثمانينيات، انتهت حقبة التعدين الهيدروليكي رسميًا، وانتقل اقتصاد كاليفورنيا من الذهب إلى الزراعة والصناعة. لكن أثر حمّى الذهب بقي خالدًا، فقد أسست لولاية قوية، شبكة سكك حديدية مترابطة، اقتصادًا وطنيًا متينًا، وقصة تحذيرية عن الطموح الأمريكي حين يتحوّل الحلم إلى هوس لا يقاوم.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى