فقاعة الذكاء الاصطناعي: هل يكرر التمويل الطموح سيناريو انهيار وورلدكوم؟

منذ أيام الإنترنت المبكرة، أصبح تاريخ وورلدكوم عبرةً لشركات تسابق الزمن لتوسيع نطاق أعمالها بالاقتراض، قبل أن تنهار فجأة بسبب فجوة ضخمة بين الإيرادات المتوقعة والواقعية، مع اكتشاف تلاعب محاسبي واسع. اليوم، يثير توسع شركات التكنولوجيا الكبرى في تمويل الذكاء الاصطناعي مخاوف مماثلة من خلق فقاعة مالية جديدة، ولكن هذه المرة على نطاق أوسع وأعمق.
تشهد شركات التكنولوجيا الكبرى موجة غير مسبوقة من الاستثمارات الرأسمالية، مع تركيز خاص على مراكز البيانات والبنية التحتية لدعم الذكاء الاصطناعي. ما كان في السابق مشاريع داعمة أصبح الآن قلب النشاط الاقتصادي، مع حاجات تمويلية تتجاوز بكثير التدفقات النقدية التشغيلية.
تتصدر شركات مثل “ميتا”، و”مايكروسوفت”، و”ألفابت”، و”أوراكل”، و”أمازون” هذا السباق، إذ أصدرت سندات بقيمة 121 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بمتوسط 28 مليار دولار سنويًا بين 2020 و2024، وفق تقديرات بنك أوف أمريكا، في تحرك يعكس حجم التوسع غير المسبوق في البنية التحتية الرقمية.
يتوقع محللو بنك أوف أمريكا استمرار ارتفاع الاقتراض، إذ قد تصدر هذه الشركات سندات بقيمة 140 مليار دولار سنويًا على مدى الثلاث سنوات المقبلة، مع احتمال تجاوز 300 مليار دولار في إحدى السنوات، ما يضع قطاع التكنولوجيا على قدم المساواة مع أكبر البنوك الأمريكية.
ولا يقتصر التوسع على شركات التكنولوجيا فحسب، بل يشمل معظم الشركات الأمريكية، إذ توقّع “باركليز” أن يصل إجمالي إصدار سندات الشركات الأمريكية إلى 2.46 تريليون دولار هذا العام، بزيادة 11.8% عن العام السابق، في ظل سعي القطاع الخاص لتمويل المشاريع الطموحة عبر الاقتراض.
تقدر “مورغان ستانلي” أن الشركات ستنفق نحو 2.9 تريليون دولار على مراكز البيانات حتى عام 2028، نصفها ممول من التدفقات النقدية للشركات الكبرى، بينما يعتمد النصف الآخر على مصادر تمويل بديلة مثل الائتمان الخاص، مما يعكس ضخامة الرهانات المالية على هذا القطاع.
برزت “أوراكل” كمثال على المخاطر التمويلية، إذ ارتفعت ديونها إلى 111.6 مليار دولار في أغسطس الماضي مقارنة بـ 84.5 مليار دولار في العام السابق، في حين انخفضت سيولتها النقدية إلى 10.45 مليار دولار، ما يوضح هشاشة التمويل المرتكز على الديون.

وكشفت “فاينانشال تايمز” أن الشركات المزودة لـ “أوبن إيه آي” بالحوسبة ومراكز البيانات اقترضت نحو 96 مليار دولار، في وقت لا تغطي فيه سيولتها أغلب أقساط الديون، مما يزيد المخاطر المالية ويطرح تساؤلات حول القدرة على الوفاء بالتزاماتها.
تُعد شركة “كورويف” نموذجًا واضحًا للمخاطر، إذ بلغت ديونها نحو 14 مليار دولار، مع التزامات إيجار مستقبلية لمراكز البيانات تصل إلى 39.1 مليار دولار، في حين تتوقع إيرادات لا تتجاوز 5 مليارات دولار للعام المالي الجاري، ما يوضح الفجوة الكبيرة بين الإنفاق والإيرادات.
وحذر بنك إنجلترا من أن توسع الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة سيُغذّى بديون تريليونية، ما قد يهدد الاستقرار المالي في حال تباطؤ الإيرادات أو انخفاض تقييمات الشركات، ويضع الأسواق أمام اختبار جديد للقدرة على تحمل المخاطر.
يعكس سباق التمويل الطموح رهانات واسعة على الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للاقتصاد المستقبلي، لكن اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات يجعل الأسواق حساسة لأي تباطؤ، ما قد يحوّل هذه الفرصة الاستثمارية إلى ضغط على أسواق الائتمان والاستقرار المالي، مذكّرًا الجميع بأن التاريخ المالي قد يعيد نفسه، بأسلوب مختلف هذه المرة.




