عصر الخوارزميات: كيف أعاد الذكاء الاصطناعي صياغة إمبراطورية “AQR” المالية؟

مع تصاعد اعتماد الأسواق المالية على البيانات الضخمة والخوارزميات، شهدت صناعة صناديق التحوط والاستثمار الكمي خلال العام الماضي تحولًا جذريًا، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي قلب استراتيجيات التداول وتحليل الأسواق.
شركة “أبلايد كوانتاتيف ريسيرش” (Applied Quantitative Research) أو “أيه كيو آر”، ومقرها غرينيتش بولاية كونيتيكت الأمريكية، كانت من أبرز المستفيدين من هذا التحول.
مؤسسو الشركة الثلاثة نجحوا في مضاعفة ثرواتهم خلال عام واحد، مستغلين استراتيجيات جديدة تجمع بين التحليل الكمي المتقدم والذكاء الاصطناعي لإدارة الصناديق واتخاذ القرارات الاستثمارية.
بحلول نهاية 2025، ارتفعت أصول الشركة إلى نحو 187 مليار دولار بعد زيادة قدرها 73 مليار دولار خلال العام نفسه، مما انعكس مباشرة على ثروات المؤسسين. فقد ارتفعت ثروة كليف أسنس، كبير مسؤولي الاستثمار، إلى نحو 6.3 مليار دولار، فيما تجاوزت ثروة جون ليو وديفيد كابيلر حاجز الملياري دولار لكل منهما.
كان العام الماضي علامة فارقة في تاريخ الشركة. صندوق “أبيكس” (Apex) متعدد الاستراتيجيات، بإدارة أصول 6.7 مليار دولار، حقق عائدًا بلغ 19.4%، بينما سجل صندوق “ديلفي” (Delphi) Long-Short عائدًا بنسبة 16.7%. ويشير متوسط العائد السنوي للصندوقين خلال خمس سنوات إلى نحو 16.6%، متفوقًا على متوسط عائد مؤشر “إس آند بي 500” البالغ 14.4%.
أما صندوق “إيكويتي ماركت نيوترال فاند” (Equity Market Neutral Fund)، فقد حقق عائدًا مذهلًا بلغ 26.5% في 2025، مع متوسط سنوي خلال خمس سنوات يصل إلى 19.6%، مقارنة بمتوسط 8% لمعظم الصناديق المماثلة.
التحول الأكبر في أداء “أيه كيو آر” يعود إلى تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، سواء في تحليل البيانات أو أنظمة التداول. بدلاً من الاعتماد على التحليل التقليدي للعوامل المالية، أصبحت الخوارزميات قادرة على إعادة ضبط الأوزان بين المؤشرات المالية بشكل ديناميكي، ومعالجة كميات هائلة من البيانات المالية والنصوص الاقتصادية، لتقديم توقعات أكثر دقة للعوائد المستقبلية.
على الرغم من أن الشركة لم تكن من الأوائل في تبني الذكاء الاصطناعي، إلا أن التعيينات الاستراتيجية، مثل استقطاب براين كيلي، أستاذ التمويل بجامعة ييل، ساعدت على بناء نموذج متكامل للتعلم الآلي للتنبؤ بالعوائد الاستثمارية. كليف أسنس أصبح أحد أبرز المدافعين عن دور الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن الشركة “استسلمت أكثر للآلة”، دون استبدال البشر بالكامل.
لم يقتصر النجاح على الاستثمار فقط، بل امتد إلى التسويق والتوزيع. الشركة التي كانت تعتمد على المستثمرين المؤسساتيين، بدأت تجذب مستشارين ماليين يديرون ثروات العملاء الأثرياء، مع تركيز خاص على حسابات “فلكس” الاستثمارية، التي تعتمد على استراتيجية الشراء والبيع في الوقت نفسه لتقليل تقلبات المحافظ والضرائب.

و تضاعفت أصول هذه الحسابات خلال تسعة أشهر من 23.2 مليار دولار لتصل إلى 45.4 مليار دولار، أي نحو ربع إجمالي أصول الشركة.
يبقى السؤال: هل يمكن لـ “أيه كيو آر” الحفاظ على هذا الأداء القوي؟ التحدي يكمن في استمرار تفوق نماذجها على السوق والمنافسين الذين بدأوا أيضًا في تبني الذكاء الاصطناعي. الاستثمار المستمر في تطوير الخوارزميات والحفاظ على ميزة تنافسية أصبح شرطًا أساسيًا لاستدامة النجاح.
بالنسبة لمؤسسي “أيه كيو آر”، الرهان على الذكاء الاصطناعي لم يكن مجرد تجربة تقنية، بل أصبح حجر الزاوية في استراتيجيتهم الاستثمارية وفي تحقيق ثروات مضاعفة خلال زمن قياسي.




